آمنة ضرار

(البصيرة أم حمد)

 

بقلم الأستاذ / أبو فاطمة محمد أوهاج / الحركة الوطنية لشرق السودان

 

لقد عودنا قراءنا الأفاضل وعاشقي دعوة الحرية عندنا  على أن نسخر بالكلمات من أولئك الذين سخروا بعقول وقلوب ومشاعر الشعب ليس لكونهم ،أهل، لأن يسخروا بكل ذلك- رغم سخافة فكرة ،الأهلية تلك ذاتها-  ولكن لجهلهم بأنهم علي أنفسهم يضحكون، لذا نرجو ممن يقرؤون كتاباتنا ألا يلومونا علي إتباع القاعدة في الدفاع عن النفس و من نمثلهم حيث:- ( السن بالسن- والعين بالعين - والبادئ اظلم ).

 

لقد دام احتجاز الدكتورة آمنة ضرار، نائبة رئيس جبهة الشرق، بالعاصمة الاريترية، اسمرا، من قبل حكومة ارتريا وبتنسيق مسبق مع حكومة الإنقاذ الوطني لأكثر مما توقع المراقبون رغم تمام التوقيع علي اتفاقية السلام.  وقد انتظر العالم من يتحدث- رسمياً وبلسانٍ واحدٍ-  عن جبهة الشرق دون ثمرةٍ، الأمر الذي أثار ضبابا كثيفا بأذهان المراقبين لمجريات ،سلام الشرق، وجعل- على سبيل المثال- وزارة الخارجية البريطانية تسأل عنهم حجار الأرض.  ومن ذلك السياق رؤي  سرُّ اختفاء د. آمنة ضرار المفاجئ ، التي سرعان ما اتضح أنها القيادية كانت في احدي دول الخليج وأغلقت- لأسابٍ غامضة؟-  تلفونها، المعروف بالرقم، عن متحثي خارجية بريطانيا الذين اتصلوا  بها مراراً دون مجيب.  إن موظفوا الخارجية البريطانية كانوا قد وثقوا في مصداقية د. آمنة ضرار، بيد أنّ ثقتهم الآن، جراء ما فعلت، قد توانت كثيراً فأضحوا ينظرون لكثيرين ممّن يتحدثون عن ،ملف الشرق، بنظرة ريبة وتشكك، لذا إن قدر للشرق أن يحتاج، مرة أخري، لبوابة المجتمع الدولي فعلينا أن نبتهل لمن يسعي إلي ذلك بأن يوفَّق، خصوصاً وأن الدكتورة قد ألحقتْ أذىً و إضراراً بعمومِ مصداقية أهل الشرق وقضاياهم أمام المجتمع الدولي.

 

كثيرون قد تساءلوا حول أسرار اتفاقية سلام الشرق الموقعة أخيرا بين الحكومة وجبهة الشرق في 14 أكتوبر 2006 ، والتي ما فتئت تمضي ببطء وظلت منذ ذاك الوقت إذ تدور- الآن- خلفها صراعات وتحالفات واتهامات ربما لم يعلم الناس من مسببات لها غير وهن و قلة حيلة القيادة في جبهة الشرق وعلي رأسها (البصيرة أم حمد) د. آمنة ضرار.  لكن الأيام قد كشفت  سباق أمثال تلك القيادات نحو المناصب والمال العام، كما وكشفت الأحداث كيف كانت تدار جبهة الشرق التي ما استطاعت قيادتها المحسوبة علي الشرق أن تبارح العاصمة الاريترية إلا لمن أذنت له الإنقاذ بذلك وأوعزت للقيادة الارترية بإطلاق سراحه ، ولربما قد دفنت، في هذا السياق، حقائق الكثير مما كان يجري وراء الكواليس في سلام شرق السودان المزعوم  حتى لا تطّلع جماهير الشرق، والسودان عموماً، علي حقيقة ما كان يدور آنذاك، الأمر الذي يفسره دون ادني شك ما يدور اليوم من تآمر ومحاصصات.

 

كيف يمكن لقائل، والوضع هكذا، أن يدّعي أن اتفاق سلام الشرق قد جاء لإرضاء طموحات أهل الشرق، سيّما وأن القيادات المزعومة كانت غير مهيأة للحدث وقد أخفقت تماماً، حتى الآن، في  تذكية من يقود ومن يستحسن أن تتم إقالته بتهمة الفساد المالي أمثال الدكتورة.  بهذه المناسبة لم تأتِ الدكتورة شيئا ادّاً يثير الغرابة حيث فسابقوها كثر.. إن الأيام كفيلة بكشف المزيد بشأن  أن جبهة الشرق لا تمثل، الآن، بطون البجا، ناهيك عن  شعوب الإقليم الأخرى فجليٌّ الآن أنّ سلام جبهة الشرق محفوف بالمخاطر لوجود تيارات عنيفة من التغيرات تقود لذلك.

 

ونقول هنا: هل استطاعت القيادية الفذة د. آمنة ضرار أن تجيب علي  كل التساؤلات والاتهامات في حوارها الأخير الذي أجرته معها، عبر الإنترنيت، الصحفية ناهد سعيد؟

 

لا، بل هي قد شهد عليها شاهد من أهلها ( من بعض قيادات جبهة الشرق) حول تجاوزات مالية وقع اتهامها بها حتى قبل اكتمال توقيعات الرابع عشر من أكتوبر المنصرم.  مال أولئك القوم- إذاَ- لا يفقهون حديثا ودكتورتهم المبجلة تبرر، الآن، ظلال ذلك الاتهام الشائن بإيضاح عاجز من عندها أرادت به أن تقول بأن جبهة الشرق لم تكمل هياكلها حتى الآن؟  أو ليس هذا الاعتراف، من  جهة ( البصيرة أم حمد )، تأكيد منها علي أنها، بعلم أو بغير علم، تؤيد مقولتنا بأن القيادات المزعومة  قد كانت غير مهيأة للحدث أو  لتذكية من يقود ومن تتم إقالته بتهمة الفساد المالي أمثال الدكتورة؟  إن حركتنا- الحركة الوطنية لشرق السودان-  كانت قد تنبأت بالطعن في مقدرات هذه القيادات في أن تنجز اتفاقا باسم الشرق ، و اليوم نفاجأ، علي لسان العظماء المخضرمين من ذلك التنظيم، بأن (جبهة الشرق لم تكمل هياكلها حتى الآن)، علماً بأن الاتفاقية تنص علي اللجنة المشتركة لإنفاذ الاتفاق يجب أن يكتمل تشكيلها وتشرع في عملها بعد شهر واحد فقط من التوقيع.  لكن ها هو شهر إضافي يمضي ولا لتطل علينا الدتورة بعده إلا لكي  تذر الرماد في العيون.

 

 نفاجأ كذلك، وبعد مضي شهرين، بأن قيادة جبهة الشرق ما تزال، لعمري، تتكوّن من القيادة الثلاثية التي تضم الرئيس السيد موسى محمد أحمد، ونائب الرئيس دكتورة آمنة صالح ضرار، والأمين العام دكتور مبروك مبارك سليم).  ألا يؤكد ذلك زعمنا بأن حكومة إرتريا قد حجزت الكثيرين من قيادات جبهة الشرق نزولا عند طلب حكومة السودان؟

 

أما عن الاتهامات الموجهة للدكتورة بتجاوزات مالية، من قبل قيادات في نفس تنظيمها، فنحن لا تتحدث عنها إلا بعد الإشارة لأسماء الذين اتهموا الدكتورة جهارا نهارا، لكننا فقط نتساءل:-  إن كانت الاتهامات بالتجاوزات المالية هي محض افتراء والغرض منها الاغتيال السياسي للدكتورة لماذا تتهم، هي الاخري، قيادتها الموسوية بمحاولة الاغتيال السياسي تلك؟ وهل بقي من باقية للقيادة الثلاثية إذا كان موسي القوم قد طل علي قناة الجزيرة آنذاك محذرا من المحاصصات القبلية؟  ثم قامت الدنيا ولم تقعد من أولئك الذين وقفوا وراء ترشيح الأخ مبروك بدلا من موسي و د. آمنة ضرار- هل بقي من باقية؟ علي أية حال، أنا لا أري أن الدكتورة قد قصدت بأي حال من الأحوال أن تنفي تشاكس القيادة الثلاثية و تنافسها البغيض حول منصب المستشارية لرئيس الجمهورية، علما بأن الرئيس في تفضله علي الفرقاء بهذا المنصب علي من يرغبون ما عاد يكترث لمشورة  لكثرة ما عين من مستشارين.  علام إذاَ  يتزاحم الثلاثي المرح حول منصب المستشارية ؟  ولئن كانت القيادة الثلاثية إياها قد اختلفت حول من يتبوأ المنصب الفلاني فماذا بقي من اهتمام بالقضية؟  ذاك والحال أن القوم كانوا قد ملؤوا الدنيا صياحا بإجماع أهل الشرق علي توقيعات السلام في لقاءٍ أقامته ،جبهتهم، مؤخرا بقرية (سر دار) الحدودية مع ارتريا.

 

واضح جدا أن المحاصصات القبلية سوف تنتهي مكائدها علي البلاط الرئاسي.  وواضح كذلك-  من إجابات الدكتورة- أنها تشتري ود الرئيس البشير تفضيلا علي ود قيادتها الموسوية التي سوف لن تساوي عندها عقال بعير بعد أن  تآمرت عليها في محاولة لاقصائها وبعد أن نافستها علي منصب المستشارية البراق.  إن الدتورة لمتمسكة باحبوكات إجرائية تأخذها علي جلالة القيادة الموسوية:- (على الرغم من أن الجميع يعرف وقتها أن القيادة عندما ترفع الترشيحات والذي هو حق لقيادة الجبهة لم تفوّض الآخرين بالقيام به. وكذا الدستور كلاهما يتحدثان عن تقديم عدد من المرشحين ويبقى الاختيار حق لرئيس الجمهورية ).  إنها تفوض أمرها إلي الرئيس البشير عندما تقول بالحرف الواحد:( حق الترشيح للمناصب عملية تقوم بها القيادة، كما أن الاختيار للمناصب في مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء حق لرئيس الجمهورية) ،  وذلك  مما تناولناه، في الحركة الوطنية لشرق السودان، من مظاهر إخفاق  في الاتفاقية إياه  وكون أن القرار فيها لحكومة الإنقاذ وليس لجبهة الشرق  وأن حادثة تعيين آمنة ضرار من قبل رئيس الجمهورية سوف تظل علي ضوئها آمنة ضرار لا محالة وفية و مخلصة للإنقاذ التي أحيتها بعد ممات حيث كادت قيادة تنظيمها العملاق أن ترميها بعيدا.  بهكذا نهج يكون كل من (موسي وآمنة و مبروك) قد وضعوا أنفسهم في سلة البشير لا يستطيعون إغضابه و إلا إن تجرأ احدهم بذلك تكن النتيجة معروفة مسبقا. ذلك بعضٌ  مما جعلنا نقول أن اتفاق السلام (بطرق تنفيذه المنصوص عليها) لا يمثل اتفاق شجعان أحرار فهاهم أولياؤه  يسقطون، كالفراشات، الآنَ تحت أقدام البشير.  إنّ الإنقاذ هي التي أورثتنا لفظ (سلام الشجعان) عندما ملأت الدنيا زعيقا وقتها بأنها سوف لن تقبل سلاما في الجنوب ترتهن به سيادة البلاد وحقها الحر في أن تهتدي بالخيارات الحرة  وألا يأتي السلام إلا من الداخل، واليوم الإنقاذ تعرف تماما كيف ترتهن خيارات القادة في جبهة الشرق وتبتاعهم في سوق نخاسة المناصب الوهمية الزائلة  وتشتري باسمهم زمنا غاليا علي وحدة وسلام وتنمية السودان وحرية أجياله و مبدعيه ، إذن فالسلام بهذا المعني (كلمة حق أريد بها باطل). إن الدكتورة تعلم، والإنقاذ تعلم، أن نص الاتفاقية الذي أعطي الرئيس الحق الرسمي في تشكيل أعضاء اللجنة المشتركة ليست نصا لإكمال شكل الاتفاقية  الإجرائي فقط  و إنما هو النص الذي يقلب الوجود  إلي عدم في أي قرار أو دور فعلي لجبهة الشرق في إنفاذ الاتفاقية من حيث (متى - و أين - و كيف - و ماذا - و من ) و ذلك حيث أن القرار قرار البشير، ولا قرار أو خيار لحملة السلاح العائدين لتوهم من جبهات القتال.  

 

يرى كثيرون أن جبهة الشرق ليس لها مستقبل سياسي نتيجة لهيمنة روح القبيلة داخلها، لكنه كان بإمكان جبهة الشرق، إن أرادت، أن تقلب عامل القبلية إلي عامل ايجابي وذلك بإشراك كافة القبائل والعمل علي أن تسود روح التضامن و أن ترتفع الهمم و تترفع القيادات عن الصغائر  و أن تعتمد الانجازات القائمة علي المشورة لأهل البيت كافة  بدلا من الانفراد بالرأي و ما في ذلك من فساد و تهافت علي الانجاز الوهمي و ما في ذلك من إحراق للكروت و تفريغ القضية و من ثم انتقاصها من أية وجود فعلي  وعليه سوف لن توفر الإنقاذ أو غيرها من الأحزاب حلولا فعلية أو علي الأقل سترث الإنقاذ الشرق و من عليه أمام محاولات الثلاثي المرح في تغطية المكشوف من عورات مهزلة السلام الناقص.  لكن الدكتورة آمنة تصر علي أن جبهة الشرق لها مستقبل سياسي وتشترط بوعد منها غير مكذوب بأن ذلك المستقبل السياسي قادم.  أتعلمون ما هو شرطها الوحيد:- ( إن صدقت قيادتها وأعضاؤها).  وذلك ما قلناه مرارا و تكرارا حيث قلنا إن قيادات جبهة الشرق- بمن فيهم الدكتورة- غير صادقين، تماما كالإنقاذ التي وقعوا معها الاتفاق، هذا بغض النظر فيما إذا كان لجبهة الشرق برنامج سياسي بعينه تتحري المصداقية في تنفيذه. لكن كيف لها برنامج وهي الأخرى قد أضحت اليوم جزءا لا يتجزأ من برنامج الإنقاذ تدور معه عدما ووجودا أينما دار؟  ويظل السؤال عما إذا كانت المحاصصات القبلية ضيقة الأفق  ومكشوفة الأغراض سوف تصلح ما أفسده الدهر من عثرات قولك يا مؤتمر البجا  أو أنها سوف تحول دون الالتفاف ومحاولات الخداع التي تتهم بها آمنة ضرار كل من ثنائي القيادة المرح تماما كما يتهما موسي و مبروك كل علي حداه ، و بطريقته الخاصة. أما مسألة الإقصاء فلتعلم الدكتورة و قيادتها انه (من حفر حفرة لأخيه وقع فيه).

 

إن جبهة الشرق قد سمحت بوجود النعرات العنصرية وهي تعلم أنها لا تمثل أهل الشرق، ناهيك عن أن تكون معنية بإنسان الشرق (أما الناس فنجحها في فعلها لا في الكلام) وأولئكَ أبعد عن أن يكونوا معنيين بعملية التطوير والتنمية إلا كلاما و رحم الله أهل الشرق والسودان من دعاوي الذين يتشدقون بالألفاظ (عن محاربة الفقر والمرض والجهل) وهم يرفضون التكاتف ويقفون ضد العمل الجماعي من أجل الجميع، ثم يقولون، من بعد:- (إن جبهة الشرق هي التطوّر والنمو الطبيعي لمؤتمر البجا والأسود الحرة) ولله درهم .

 

ولما سأل سائل قائلا للدكتورة:-  لكن مؤتمر البجا تنظيم ذو صبغة قبلية (من مجرد اسمه) انبرت الدكتورة بقائمة أسماء طويلة تجتر بها تاريخ مؤتمر البجا عندما تم تأسيسه في 1958 ، وهذا الاجترار المقروض إن دل إنما يدل علي أن (النار تلد الرماد)، أو كما ساد المثل.

 

وللتذكرة فقط نقول إننا أبناء اليوم والغد و لسنا رفاق شعراء المجد التليد من عالم الأمس، كما ونقول إنّ الفتي من قال هاأنذا فالمرحلة تقتضي وقفة تاريخية والذي أضحي اليوم لهو التحدي ( بأن نكون أو لا نكون).  و لو كانت قيادة مؤتمر البجا الثلاثية فيها من يضاهي قائمة الأسماء التي اجترتها الدكتورة لما اختلفت الدكتورة مع مبروك و موسي حول منصب استشارية الرئيس، هذا رغم أن المنصب مفرغٌ، أصلاً،  من محتواه، و لنا عبرة في ذلك بمبارك الفاضل المهدي الذي عمل مستشارا لرئيس الجمهورية عن حزب الأمة بقضه وقضيضه  وليس، فحسب، عن حركة بحجم مؤتمر البجا و من معها.  وقد خرج  مبارك الفاضل، من بعد ذلك، من قصر الإنقاذ قائلاً بأنّ (قرارات الدولة لا تؤخذ من مؤسسات الدولة وإنما من البيوتات).  وقد قالها من بعده كذلك الترابي، شاهدا من أهلها بأن ( الشورى التي تريدها الحكومة شوري معلمة و ليست شوري ملزمة) فقد أورد، بالحرف الواحد، أنّ (الرئيس يشاور ويخالف):-  راجعوا محاضرة تجديد الفقه الأخيرة للدكتور الترابي بجامعة الخرطوم.... السؤال- إذاً- ليس فقط عّماذا يتزاحم مبروك ود. آمنة و عمّاذا سيجني موسي من منصب مستشار رئيس الجمهورية.

 

علي الدكتورة آمنة،  وهي تدافع عن تاريخ مؤتمر البجا، أن تستيقظ وأن تعلم أنّ الجوابَ يكفي عنوانه  وأنّ مؤتمر البجا الحالي ما حاول أن يضخم اسمه بعبارة (جبهة الشرق) إلا بعد أن علم يقينا بأن عبارة (مؤتمر البجا) لوحدها قد أكل عليها الدهر وشرب وتجاوزتها التغييرات، و لله المثل الأعلى.  ولئن كانت الإنقاذ الحاكمة  ذاتها قد خرجت من جلباب الإنقاذ الكاملة في يونيو 1989 وتمرد حاملو السلاح فيها علي شقهم المدني ليأتوا الناس بحزب جديد علي الأسماع اسمه ( المؤتمر الحاكم)  فما هي شرعية البقاء لما عرف بمؤتمر البجا و الذي ظل عابثا بمصالح البلاد و العباد منذ 1958؟  ألم تأتي الإنقاذ لتغيير الخارطة السياسية؟ أو ألن يحتاج التغيير الدراماتيكي الذي أحدثته الإنقاذ داخل بيتها لأن يواكبه تغيير مساوي في المقدار كما و نوعا، ومن ثم تلغي القداسة الوهمية لما عرف بمؤتمر البجا؟ أو دونهم أن ينصاع مؤتمر البجا و يغير نفسه قبل أن تغيره عوامل التعرية؟  لكن الإنقاذ يسهل عليها دوما التعامل مع (الأهرامات القديمة)  و تخشي الجديد حتى و لو كان علي شاكلة ما أقترحه الترابي من تغيير جذري آنذاك عندما أعلن قائد التنظيم التاريخي  آنذاك فلسفة (التوالي السياسي) التي كانت لا محالة ذاهبة بالبشير و من معه، و قد  كان للبشير الحق في الصراع من اجل البقاء  و ذلك بالتفاوض مع (الأهرامات) العتيدة من أمثال مؤتمر البجا .

 

 هذا المؤتمر البجاوي القديم في محاولاته اليائسة للتجدد سوف لن تجزي تضحياته المنقوصة ، تماما كالأضحية العرجاء و قد كان لزاما علي مؤتمر البجا عندئذ أن يستبدل أضحيته العرجاء بواحدة أخري ، لا أن يستعين بفصيل من أهل الشرق لم يكن لهم تاريخ في نضال الشرق سوي تكديس السيارات المهربة في كراكير الجبال بالإقليم الشرقي ، و يستلم ذلك التنظيم التعويضات عما صادرته الحكومة من أقمشة مهربة و سيارات،

 

ومن ثم فأولئك الذين ذاقوا طعم التعويضات الإنقاذية الزهيدة في ليبيا قد أعجبتهم بالطبع لعبة ( الأوحي) ، تماما كما هو في مسرحية (الود سيد الشغال ) للمبدع عادل إمام ،  فيجد ذلك التنظيم الذي أتي به مؤتمر البجا في حالات ضعفه وهوانه علي الناس نصيرا له، يجدونه (تمامة عدد) ليس إلا ، و ليته افلح في إتمام العدد.

 

في ظل حقائق كهذه ما كان (للبصيرة أم حمد) أن تذكرنا بما حدث عندما دشّن مؤتمر البجا عمله السياسي في 1958 . إذا لم يكن بينكم رجل رشيد يا أهل المؤتمر البجاوي فاسترشدوا باجتهادات المجدد الإنقاذي و كاهنها الأكبر و هو يدعو أهل السودان للتجديد ، ويدعوهم إلي عدم تكرار ما قاله السلف ، أو ما وقفوه من مواقف ، و عليه فكل الذين ضمهم مؤتمر البجا بين مؤسسيه في 1958 لم ينفعوا و لن ينفعوا أو يضروا مؤتمر البجا (اليوم) بقيادة الثلاثي المرح. و إذا كان محمد البربري وعباس البربري قد مثلوا آنذاك القبائل غير البجاوية من سكان الشرق في 1958 ، فمن الذي حل مكانهم في 14 أكتوبر 2006 ؟ ومن هو اليوم بقامة {حمو و والليثي ومحمد النيل ، وفضل قرافي} من داخل أروقة مؤتمر البجا 2006 ، هذا و الحال أن مؤتمر البجا 2006  هو مقبل اليوم علي إنفاذ اتفاقية سلام ، و لعمري كيف ذلك و لم يفلح المؤتمر بعد في تشكيل مكتب قيادته الجديد للوقوف علي إنفاذ السلام المزعوم و ذلك علي حد ما قالته الدكتورة ؟ أما وجود الشيخ العشي في 1958 فهو مخالف تماما لطريقة جمعه للمال عن وجود مبروك ممثلا لقبيلة  الرشايدة في (عهد القرامطة) الذي وقعته جبهة الشرق مع الإنقاذ  في أكتوبر 2006 ، و هل من قيادة بداخل جبهة الشرق فيما عدا الثلاثي المرح حتى تقوم مقام {طه بلية ومحمد مختار وموسى أبو علي وأبو هدية} ؟ ، و للتذكرة فقط للدكتورة آمنة ضرار فقد نصح الرسول الكريم فَاطِمة رضي الله عنها قائلا (يَا فَاطِمة اِعملي لنفسك ، فإني لا أغني عنكِ مِن الله شي ) ، و لذلك نجد محمد صالح ضرار قد خلف من بعده خلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات واحدهم يجلس مع ( عائشة ) بالبرلمان البريطاني محذرا من انتشار المد الإسلامي عبر الإقليم الشرقي ، أما {عبد القادر أوكير ومصطفى أونور وعمر أبو آمنة ومجذوب أبو علي وعثمان عمر المصري وعمر كشة} ، فأولئك لا نملك إلا أن ندعو لهم الله أن يهبهم دارا خيرا من دارهم ، وأهلا  خيرا من أهلهم ، وأن يلهمنا الصبر والسلوان وحسن العزاء فيمن تركوهم لنا من ورائهم ..

 

 لقد أطفأتم يا قيادة جبهة الشرق اسم و تاريخ هذا الصرح إن كان عظيما ، و هاأنتم تهرعون للنثر تذكارا بالأحباب الذين وضعوا قواعد البيت البجاوي ، ثم دارت الأيام و لم يتغير الوجه الكالح للفقر والمرض والجهل بشرق السودان ،  فماذا انتم قائلون؟

 

إذا بلغ الفهم بالدكتورة آمنة أن تذكرنا بماض لم تجني الأجيال منه إلا حصاد الهشيم ، فاني و بكل تواضع انصح الدكتورة بان تقدم نفسها للأستاذ عمر الجزلي في حلقات من برنامجه المشهور كما عودنا فيه دائما بإقامة التأبين علي روح الأموات و هم أحياء ، وفي آخر حلقات من البرنامج يجترون الماضي اجترارا ، ومن ثم توافيهم المنية.

 

إننا ننتظر برنامج ( أسماء في حياتنا ) أن يستضيف الدكتورة آمنة ضرار فهي الأخرى قاب قوسين أو ادني من المنية العضوية بعد أن استهدفها موسي محمد احمد بالاغتيال السياسي علي حد قولها و لم تجد نصيرا ضده إلا البشير ، و آمنة ضرار ( البصيرة أم حمد ) ، آخر من يحدثنا عن التعددية الثقافية والعرقية التي كانت قوة دفع  لمؤتمر البجا ولم تكن أبداً خصماً عليه، ونحتاج لقراءاتها في التاريخ أن تتحفنا بالمزيد من الأحاجي حولها من خلال أقوال المؤرخ محمد أدروب و ما قاله عن ارض البجا ، أما سودان المستقبل والأجيال القادمة فقد غناه محمد وردي ( وطن حدادي مدادي .. ما بنبنيه فرادي ..  وطن قيم ديمقراطي سوداننا البنحلم بيهو يوماتي ) ، فهل يعرف أي من الثلاثي المرح شيئا عن تطلعات الأجيال ؟ وهل يميزون بينما أكل الدهر عليه و شرب و بينما يصلح من خطاب للمستقبل والأجيال ؟

 

بعد توقيع اتفاق أسمرا ظهر التهافت من قبل قيادات الجبهة على المناصب ، و إزاء ذلك التهافت تؤكد الدكتورة علي حدوثه إلا أنها تنصح بقولها : (صحيح ، ولكن هذا يجب ألا يكون)، و بخصوص الجهد السياسي و مستقبل الشرق فقد أضحت القضية عند ( الثلاثي المرح ) من أهل الحل و العقد ، أضحت قضية خدمات حيث تردف الدكتورة القول حصافة منها بان السلطة (إنما لتقديم الخدمات لمن وافق أن يحمل الأمانة) و كأني بها قد انطبق عليها قول الشاعر:

 

{يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروق الثعلب}

 

كذلك فانه من المؤكد أن هنالك بعض القبائل التي هي ذات ثقل عددي وقد وافاها التهميش بالفعل  من داخل و خارج جبهة الشرق ، أما الدكتورة آمنة في ردها علي هذه الجزئية فقد اختارت المراوغة مع قلة الحيلة فكان ردها دليلا ضدها ، فقالت من جهة أن جبهة الشرق عندما أعلنت قيامها دعت جميع القبائل في شرق السودان للانضمام ... و كأنما بذلك تلوم الذين لم ينضموا لجبهة الشرق آنذاك  و بالتالي تجد لنفسها العذر و لتنظيمها في عدم دعوة هؤلاء و أولئك للإسهام علي الأقل بالرأي في سلام الشرق المزعوم. بل و أضافت الدكتورة ما هو شائن لشخصها و التنظيم الذي تنتمي إليه قائلة ما محتواه أن مجموعتها قد حملت السلاح نيابة عن الآخرين  و بالتالي فلا يستحق غيرها و الثنائي المرح مقاما ارفع من مهام الإعمار أي أنهم سيصبحون زراعا و صناعا في جلباب السلام المنقوص   وقيادة الشرق المزعومة و التي باعتراف الدكتورة الضمني أنها لا تمثل الشرق ، و إنما اقتضت القسمة الضيزي ذلك ألا وهو أن يقود السياسة من قاد المعركة (فقط) ، و لا تثريب علي ذلك أن يكون منطقا لتوزيع الغنائم ، هذا إذا لم نري الاستخفاف الزائد بقضايا و عقول و مصائر شعوب الشرق و في وضح النهار ، و كأني بالدكتورة المخضرمة بهذا القول قد وافقت تماما رأي الإنقاذ في إحقاق حقوق الرعية باقتلاع الناس للحقوق و الحريات ، حيث لا تقبل الإنقاذ بأقل من قعقعة السلاح و ضغط المجتمع الدولي ، علما بان هذه الأوضاع هي التي تنتهي بالبلاد إلي وضع الزاوية الضيقة الحرجة لا أكثر و لا اقل ، و يا له من منطق معوج معلوم النتائج و النهايات و مكشوف جدا من حيث قابليته للتداعي و السقوط.

 

إذا كان المنطق أن يأخذ المغانم جيش الدكتورة آمنة ضرار الذي جاء أهله في الشرق بمغنم الاتفاقية إياها ، ففي ذلك دعوة صريحة من آمنة ضرار و من وراءها الإنقاذ بأن ( من كان له حق فليأخذه بالقوة) ، و إذا استجاب الناس لتلك الدعوة، ومن بينهم الحركة الوطنية لشرق السودان و من وراءها ممن همشتهم مجموعة آمنة ضرار، فحينئذ لا يلومن أحدا إلا نفسه  فسوف يكون شرق السودان، حينذاك، هو الآخر، مسرح سيناريو دولي لمنع الطيران العسكري من التحليق فوقه.  ماذا بقي لنا من سيناريو العراق الذي نصنعه بأيدينا يوما تلو الآخر حتى تؤول إلى ذلك؟ و هل هذه هي التنمية التي تحتاج لتضافر جهود الجميع علي حد قول الدكتورة آمنة ضرار؟  وأعجب جدا من اطراد الدكتورة في محاولاتها المتكررة لاستعمال الألفاظ الرنانة كقولها:- (طريق اتخاذ السلطة والحكم الرشيد مدخلين للتنمية المستدامة).

 

يبدو من إجابات الدكتورة أن مؤتمر البجا سوف يقوم بتوزيع ما و وزعته عليه الإنقاذ من مناصب ، و من هنا كما قالت الدكتورة: ( فإن مشاركة الجميع في جهود البناء لن تتأتى إلا بوجود الآخرين في السلطة أيضاً). و لكنها رجعت عن ذلك ثم مالت شيئا ما للتحدي و إشهار سيف الشرعية الديمقراطية ، وكل ذلك يحدث في مركب شتات أعدتها الإنقاذ ، حيث تتوقع الدكتورة و تراهن علي صناديق الاقتراع التي تمنينا بها الإنقاذ بعد أقل من عامين ، إذا حزب الدكتورة علي حد قولها سيقوم آنذاك و يعمل مع الجماهير على انتخاب من تراه جماهير الدائرة هو الأصلح. و هل في تصور الدكتورة أن الجماهير و من وراءها بطون العشائر التي تم إقصاءها ستكون نصيرا لجبهة الشرق و آمنة ضرار التي اغتالت نفسها سياسيا بالتعاون مع موسي و البشير و مبروك ؟ و لمصلحة من سوف يحدث مثل هذا السيناريو الخيالي ؟ إن الخلطة المركبة التي صاغتها الإنقاذ تحتاج إلي تدارس و تدارك قبل فوات الأوان و ما سيناريو دارفور منكم ببعيد.

 

الحقيقة الصعبة و الباقية و المستوجب علي جبهة الشرق مواجهتها هي أن بعض القبائل ستظل تري أن هناك من يعمل بدأب على إقصائها من الخارطة السياسية ، و صحيح قول الدكتورة في تأكيدها علي ذلك إلا أنها و التنظيم الهلامي من وراءها لا يعملون بما يقولون حيث ذكرت ذرا للرماد علي العيون:-

 

(هذا الإقصاء -إن صح- سيجهض عملاً سعينا له طيلة سنوات لإحداث تغيير سياسي ينبني على وحدة التراب السوداني وإقامة حكم فدرالي يُعنى بمصالح الولايات جميعها والحفاظ على الحكومة الاتحادية، وتأكيد رعايتها واهتمامها بمصالح الأقاليم. من هنا فإن إقصاء الآخرين كي لا يمثلوا في جبهة الشرق يؤدي بالضرورة إلى ابتعادهم عن الجبهة، لن يلتفوا حولها، ولن يمنحونها أصواتهم في الانتخابات، بالتالي هذا يحدث شرخاً عميقاً في المستقبل السياسي للجبهة. لا أحد يقبل التهميش وبالتالي فإن المتضرر الوحيد من تهميش الآخرين هي جبهة الشرق وإنسان الشرق وهو ما لا نريده لأهلنا).

 

طبعا الدكتورة فيما قالت لا تعني تماما ما نقصده نحن من منطلقاتنا الثابتة (كحركة و وطنية لشرق السودان) ، و إنما هي تعني المحاصصات القبلية التي لوح بها موسي محمد احمد في تصريحاته لقناة الجزيرة و التي استهدف بها اغتيال آمنة ضرار سياسيا علي حد قولها ، بالطبع و بالتجربة فهكذا يبدأ سيناريو التفرقة و الشتات ، و كل يغني إلي ليلاه عندما تتحدث آمنة ضرار عن (الصوت الذي يعمل حالياً على إقصاء الآخر) ، تضيف إلي كلماتها (مرة بالاتهامات ومرة بالفصل ومرة بالسباب) ، فهي بذلك تتحدث عن نفسها و القبيلة التي تنتمي إليها في مواجهة ما أصابها من موسي محمد احمد و غيرهم ، أما الحركة الوطنية لشرق السودان فتتحدث عن مجمل الصورة و مركب الإقصاءات و النقائص الفنية و الموضوعية التي صاحبت سلام الشرق الموقع في أكتوبر المنصرم . بينما تعترف آمنة ضرار بان الإقصاء قد وقع علي غير شخصها و قبيلتها ، تعود لتبرر مثل ذلك الإقصاء الذي مارسته هي و إخوتها في جبهة الشرق إنما هو علي أولئك الذين تم إقصاءهم لأنهم من بطون البجا الذين لم يسجلوا قبائلهم بمؤتمر البجا في 1958 ، و لم يشاركوا في المعركة و الحال أن غنائم المعركة فقط للذين شاركوا فيها  كما أسلفنا أعلاه ، أما عندما يأتي الدور في الإقصاء علي شخصها و قبيلتها تتحدث بملء فاها عن أن الصوت الذي ينادي بالإقصاء إنما هو علي حد قولها (صوت غير واعٍ). و في هذا المقام تحضرني قصيدة الكابلي:-

 

( وبي سكر تملكني وأعجب كيف بي سكر).

 

و لكن الدكتورة و في فذلكة سياسية و لفظية متناهية تضيف:- (غير إنني أود أن أؤكد بأن هذه الأصوات لن تنجح في مراميها)، وتتحدث الدكتورة عن أن (الناس قادرون على تحديد بوصلتهم ولن يسمح أحد بممارسة الإقصاء)؟ كيف ذلك والإقصاء قد وقع بالفعل علي بعض بطون البجا؟  أم أن هناك إقصاء من الدرجة الأولي وآخر من الدرجة الثالثة ؟ انا علي يقين أن الدكتورة المحترمة لم تكن تعي ما تقول، ولذلك جاء مقالنا الحالي تحت عنوان ( البصيرة أم حمد) ، بل و تستعمل آمنة ضرار ألفاظا من القرآن و ما هي ممن أوتوا مجامع الكلم ، فتقول علي الملأ (ويذهب الزبد جفاء) ؟ فأي زبد تتحدث عنه (موسي و مبروك ؟ أم أن الزبد قبائل الشرق المقصاة من بطون البجا ؟ و التي اعترفت لها آمنة ضرار بجريرة الإقصاء من طرف الإنقاذ الحاكمة و جبهة الشرق السادرة في غيها ، بل و تبرر الدكتورة الإقصاء في مقام ، و تنتقده في مقام آخر (و لعله لكل مقام مقال) ، و يا للسلام و الاستقرار المرتقب من قادة عجبتُ لأمرهم.

 

هل هنالك جريرة علي احد إذا استعان الناس بالمجتمع الدولي في الشرق أو الغرب أمام هذه المستويات الركيكة من الجهالات و الإسفاف المتكرر؟ هذا و الحال أن الدكتورة آمنة ضرار تقول بأنه لا توجد  تحفظات من داخل جبهة الشرق على الدور الاريتري ، و المبرر الوحيد لعدم التحفظ علي الدور الاريتري علي حد مقولة الدكتورة إنما لان: (الكل يعلم وعلى وجه الخصوص الكفاح المسلح لمؤتمر البجا والأسود الحرة أن اريتريا لعبت دوراً بارزاً في الدعم بجميع أنواعه من أرض وتدريب وسلاح وغيره) ، ثم ماذا ؟ دارت دورة الأيام لتبيع اريتريا نضال جبهة الشرق الطويل بدراهم معدودة ، و إذا كان ذلكم هو حقيقة الحدث و الحديث فلماذا التنابذ بالألقاب ووصم الناس بالجهالة إذا ما تحفظوا علي الدور الاريتري ؟ الإجابة علي حد قول الدكتورة (أي تحفظات تأتي فهي من جاهل بالاحتياجات الحقيقية للنضال المسلح) ، و هل يتوقف النضال بأنواعه تماما إذا تعذر النضال لمسلح ؟ و هل هذه غاية ما يستطيع أن يبلغه المناضلون في جبهة الشرق باسم الشرق، و كان الله يحب المحسنين ؟

 

النضال له أمثلة ثرة في جنوب السودان و ما جناه المناضلون من مكاسب باقية ، و للنضال مثال في الغرب و لا نطالب الشرق أن تراق فيه الدماء ، و لكننا نميز تماما بين السلام و الاستسلام .

 

عندما سئلت الدكتورة عن رؤية البعض بأن اتفاق الشرق ما هو إلا صفقة أمنية بين أسمرا والخرطوم ، جاء ردها متهكما لتحكي فزوره عن شخص (ما) نصحها إبان التفاوض محاولا تعطيل التوقيعات ، و نصحها بالشبكة العنكبوتية كما قالت :(بأن نترك وساطة اريتريا لأنه يقوم بالاتصال بدولة أجنبية) ، و هذا النكران من آمنة ضرار للدول الغربية عله من شيمة أهل السلام المزعوم ، و حقيقة الحال كما ذكرنا أعلاه أن آمنة ضرار شخصيا و لأسباب يعلمها الله و أجهزة الأمن ، تركت الدعم الدولي فجأة ، و اختفت عن أنظار الغربيين الذين أرادت اليوم أن تستنكر دورهم بعد أن حفت أقدامها ومن معها أمام ردهاتهم العامرة ، و بعد أن همست المدينة عما تقاضته آمنة ضرار من احدي تلك الدول الغربية. و حتى توثق الحركة الوطنية لشرق السودان للحدث بالدليل الدامغ فان مسؤولاَ رفيعا منه قد استفسرته الخارجية البريطانية آنذاك عن سر اختفاء آمنة ضرار المفاجئ قائلةً إن تلفونها المعروف لديهم كان مغلقا و لو أن مؤتمر البجا- بطريقة أو أخري- أشاع آنذاك أن د. آمنة ضرار قد اختفت لأقامت بريطانيا الدنيا و لم تقعدها اعتقادا منهم أن مكروها قد أصابها.

 

و لكن لماذا لا تتنكر د. آمنة ضرار تماما للغربيين و هي و من معها قد استطاعوا بليل دامس أن يلقوا السلاح للحاكم الاريتري  ويوقّعوا اتفاق السلام المشوه في حفل صبحيه مشبوهة وزفاف أتمه الأطراف علي عجل بين عشية و ضحاها.  لم يكن أمام آمنة ضرار إلا أن تقف هذا الموقف الجاحد للشفافية التي تعامل الغرب بها مع آمنة ضرار و ذلك اعتقادا من آمنة أن ملفات كدحها وراء المجتمع الدولي إنما أصبحت من الماضي و في عالم النسيان  و انه لا سبيل لان تفتضح أمام الرأي العام.

 

و لا ادري لماذا تسخر آمنة ضرار من أداة العصر (الانترنت) و تطلق عليها الشبكة العنكبوتية ؟ الم تعد هي الوسيلة الوحيدة التي استطاعت آمنة ضرار عبرها أن تخاطب الناس بعد أن أطلق سراحها من القبو الاريتري الذي كانت تقبع فيه ؟

 

و لو قدر للقراء أن يصدقوا رواية سؤال بريطانيا عن آمنة ضرار لأصبح من السهل عليهم أن يعلموا سر السخرية التي تحدثت بها آمنة ضرار عن المجتمع الدولي و دوره الفاعل في التأثير علي أوضاع الدول التي هي اكبر حجما و قامة و ارسخ قيادة من دولة الإنقاذ و المؤتمر الوطني الذي ما وجد لنفسه اسما يتزيا به غير انه (مؤتمر حاكم)  ، و لا تسألوا من أين جاء المؤتمر بالحاكمية ،  و هو الحزب النكرة علي السياسة السودانية منذ استقلال السودان ، و كذلك رجالاته ، لا يعرفون الناس و لا هم يعرفون . و لله درها آمنة ضرار في السخرية ممن وقفوا معها و هي تسخر من دور المجتمع الدولي قائلة :(الدولة المقترحة في مقال الشبكة العنكبوتية يعني هنا دولة غربية إذ أنها ستقوم بدور الوسيط ورعاية المفاوضات) و أضافت :(وكان في حديث كاتب المقال كمن يتكَّلم عن شراء شيء متوفر في أقرب دكان في الحي، بحيث يمكنه أن يرسل طفلاً لإحضاره).

 

لقد أضحي إحضار السلام من المجتمع الدولي موضع سخرية متناهية من آمنة ضرار و اسمرا هي الأوفق. ألا تعلم أو تتذكر أن اكبر ملف سلام في السودان تم فيه تركيع الإنقاذ إنما كان بضغط مباشر من أمريكا و الأمم المتحدة ، و اشترط المجتمع الدولي علي الطرفان آنذاك أن يوقع السلام قبل موعد مضروب بعينه ، و إن كان مكان التوقيع نيفاشا الإفريقية إلا أن رجال التوقيع هم قادة المجتمع الدولي . إذن إنما تسخر الدكتورة من نفسها و من معها و لا نعتقد أن نزول جبهة الشرق المفاجئ عند طلب اريتريا و الإنقاذ كانت مسالة خيار مطروح علي حملة السلاح آنذاك و إنما كان الموقف موقف من هو (مجبر أخاك لا بطل) ، و تقول آمنة ضرار:  (لا يمكن أن تكون أسمرا هي الداعم للجبهة طوال الوقت حرباً وسلماً ثم فجأة تبرز تحفظات على دورها وهذا لا يأتي إلا مِنْ مَنْ لا يعرف إلا القليل عن الكفاح المسلح. وعموماً التاريخ يسجل الآن وستنجلي الكثير من الحقائق عن الدور الاريتري والكفاح المسلح).

 

وبصدد السؤال عن اتهامات حقيقية لاتفاقية الشرق بأنها اتفاقية أمنية أعدتها أسمرا لحماية مصالحها تعترف آمنة ضرار بذلك و انه طبيعي أن للدول مصالح، وللشعوب مصالح وحتى الأفراد لهم مصالح. و تضيف أن اتفاقية سلام الشرق تجيب في الإفصاح عن تلك المصالح ثم ذكرت تكرارا ما جاء في قسمة السلطة وصندوق التنمية والاعمار كانجاز للمصالح المتبادلة التي لا تستفيد منها ارتريا ، و عندما أضافت الدكتورة الترتيبات الأمنية لجملة ما تراه مصالح لم تشأ أن توضح مصلحة اريتريا في الترتيبات الأمنية التي أفضت إلي إنهاء العمل المسلح ، و كأنما اريتريا كانت قد فتحت أبوابها للعمل المسلح دون مبرر و كذلك أغلقته اليوم دون مبرر للإغلاق ، اللهم  إلا نجاحات مؤتمر البجا النادرة في التوصل لاتفاق سلام مع حكومة الإنقاذ ؟ و هذا (الاستايل) لا محالة من اغبي أمثلة ذر الرماد علي العيون ، و التكتم علي حقائق بسيطة يعرفها القاصي و الداني ، و هي أن اريتريا كانت في خصومة مع الخرطوم عندما سمحت للعمل المسلح و غير المسلح المعارض للإنقاذ و فتحت له أراضيها ، و من البديهي انه قد جد جديد من طرف الإنقاذ عند ارتريا جعل الأخيرة تبحث عن طريقة للتخلص من قوات جبهة الشرق ، و بذلك فان رائحة الصفقة قوية جدا ، و ليست من الحصافة في شي محاولة إنكار الصفقة استخفافا بعقول القراء و المثقفين من أبناء الشعب ، هذا و الأمر في جلائه ووضوحه لا يحتاج لأكثر من فطرة إنسان بسيط ، و لكن (لما) (لا) تتجمل جبهة الشرق و تظهر بهندام المنتصر الظافر لتتأهب للانتخابات و كأس الدوري القادم في 2009 ؟ ..

 

أما علاقات اريتريا الجيدة مع الحركة الشعبية ومع التجمع  فقد جنت من وراءها الحركة الشعبية نصيب الأسد مقارنة بكل اتفاقات السلام التي أعقبت نيفاشا ، إذن فلا يقارن وضع جبهة الشرق بوضع و ظروف و ملابسات سلام الحركة الشعبية الموقع في نيفاشا ، و الحال أن موقف اسمرا آنذاك من الخرطوم كان معاديا و بغض النظر عمن كان يعارض الخرطوم فقد ظلت ارتريا تقدم الدعم العسكري و السياسي لمحاربة الإنقاذ ، أما التجمع الوطني بعد خروج حزب الأمة منه فهو مؤخرا لم يعد إلا شخص محمد عثمان الميرغني مع بعض الشخصيات الأخرى من بعض الأحزاب المغلوب علي أمرها و إنما ذلك كله لزوم التزويق ، و لو كان للتجمع الوطني صوت يسمع آنذاك و علاقات مع ارتريا و فاعلية تذكر كما تدعي دكتورة آمنة  لما انسلخت منه جبهة الشرق آنذاك و هو يوقع اتفاق القاهرة في شراكة مع المؤتمر الوطني الحاكم.

 

لقد سعت القيادية آمنة ضرار بجد و اجتهاد عبر اللقاء الذي اجري معها مؤخرا ، سعت لتبرير دور ارتريا علي انه خالي من الصفقات ، و أعطت صورة واهمة بأن الخير جاء علي قدوم الوافدين و بورك علي أيدي النظام الاريتري ، و أن النظام الذي طالما اشتط في مواجهة الإنقاذ قد غشته ريح مفاجئة من العقلانية و التريث ، فقالت الدكتورة في رسمها لتلك المشاهد و الصور البديعية : (أيهما أسهل لاريتريا أن تقوم بدور الوسيط وراعي المفاوضات، أم ترفع يدها عن جبهة الشرق دفعة واحدة وبذا تكون وصلت لأسهل الطرق في المصالحة مع الخرطوم).  و ماذا لو أرادت ارتريا أن ترفع يدها دفعة واحدة ؟  هل كانت جبهة الشرق ستساوي عندها عقال بعير ؟ أم أن الحاكم في السودان هو الذي أغراها بصفقة تبادلية علي الأقل افتضح بعض من قسماتها علي الانترنت و ما خفي منها أعظم ، فقد تم آنذاك  في الصفقة تسليم الإسلاميين الارتريين مقابل إغلاق ارتريا لملف العمل المسلح في مواجهة نظام الإنقاذ ؟ .. أيهما اقرب للعقل و الحس المنطقي دونما حوجة لبينات علي ذلك أو مقتطفات من أقوال المسئولين في الدولتين و ما إلي ذلك ؟

 

ومنذ الآن يبدو أن الدكتورة ضرار تعول كثيرا علي صندوق التنمية المنصوص عليه في الاتفاقية و هي لا تعلم أن مال الصندوق هذا لا يساوي شيئا من ثروات الشرق الحقيقية و انه اقل من الصدقات التي توزع علي الفقراء و المساكين علي قارعة الطرقات ، ناهيك عن أن يكون انجازا اخذ فيه أهل الشرق حقهم في الثروة ، هذا إذا كانت جبهة الشرق قد تدارست بالفعل قيمة الاستثمارات المستقبلية و الحالية ذات الصلة بالإقليم الشرقي ، و لعل هذا الجانب قد تفرغ لتناوله مسئول العلاقات الخارجية بالحركة الوطنية لشرق السودان و ذلك في حلقاته عن (سلام الشرق الغائب).  

 

ثم اختتمت (البصيرة أم حمد) ما تدفق عنها من عبقرية ما كنا نتوقعها فقالت في تناقض واضح للعيان فقالت إن (الثلاثي المرح) رابطي الجأش لدرجة من الرباط بلغت بهم التخلي عن القاعدة الديمقراطية التي تقضي باتباع رأي الاغلبية العظمي و انهم ثلاثتهم اضحوا لا يصدرون امرا الا اذا كانوا قد اجمعوا علي اصداره بدلا من (2 – مقابل 1 ) و الا انكشف الموقف و مااذا كان موسي يقف بجانب مبروك او ما اذا كان الثنئي قد ارتعدت فرائصهم و آمنة ضرار تعول جهارا نهارا علي ان القول الفصل انما في قرارات الرئيس البشير، و بالطبع هذا الامر ادي الي جعل سلام شرق السودان قرار صادر مع وقف التنفيذ و لعل الرئيس البشير نفسه في حيرة من أمره في قراره ان يحابي من علي من و ما هي النتائج المترتبة علي اية محاباة في هذه المرحلة الحساسة من تفجر الاوضاع في دارفور فهو الوقت غير السليم اطلاقا في ان تتبعثر اوراق سلام الشرق و الا اضحت الانقاذ واقعة تماما بين المطرقة و السندان.

 

هذه هي الصورة الحقيقية التي جعلت حمار السلام في الشرق يقف في عقبة التنفيذ ، وتقر آمنة ضرار بمسألة وقف التنفيذ هذه قائلة: ( وهنالك العديد من البنود التي تأخرنا في تنفيذها لأننا نسعى لتكون قراراتنا بالتوافق ونخشى أن يؤدي ذلك لمزيد من التأخير) ، ولعمري قد يسأل السائل ما هي البنود التي نفذتها آمنة ضرار حتي تتحدث عن تلك التي لم تنفذها ؟ من لا يصدق فليرجع الي نص الاتفاقية فسيجد ان الاتفاقة ما تحركت مليمترا واحدا منذ تاريخ توقيعها ، وذلك ببساطة شديدة لان جبهة الشرق فشلت حتي الان في ان تسمي ممثليها في اللجنة العشرية المشتركة و المتوقع منها ان تشرف علي تنفيذ الاتفاق ، باختصار شديد اتفاقية سلام الشرق حتي الان مثلها كمثل (البص) الذي ينتظره الركاب و لم يعين له بعد سائق ولا كمساري ، والله اعلم اذا كانت إطاراته منفسه او لم يكن به وقود او ان الماكينة عايزة عمره ..  ويمكن الكشف عن ذلك الا بعد تعيين السواق والكمسارى ، اما المكنيكية والترزية المختصين بالترقيع فما اكثرهم وما اجهزهم في مد يد العون اينما طلبت ..

 

وليت ( البصيرة  ام حمد ) اختشت علي عرض التنظيم الذي تتسمي به وسكتت لكنها فيلسوفة زمانها التي اخافت (مبروك وموسي) وحتي الان قد غازلت البشير غزلا صريحا ولا حياء عندها وهي التي اقالتها جبهة الشرق ، ولاحياء عندها في الطريقة التي تتحدث بها عن الاخرين حيث تقول : ( إن الطبل الأجوف عادة يُحدث صوتاً عالياً لكنه يظل أجوف الفكر والرؤى)

 

والي القراء قائمة بما تأخر إنفاذه من اتفاق سلام الشرق لتقارنوه بما ورد في قائمة الاتفاقية لو إنكم تجدون فرقا يذكر.. 

 

آمنة ضرار:

 

مثال على ما يفترض أن ننفذه:

 

1/ تعيين ممثلي جبهة الشرق في اللجنة المشتركة لتنفيذ الاتفاق.

2/ إنشاء مجلس تنسيق ولايات الشرق وتعيين ثلاثة أعضاء يمثلون الجبهة.

3/ عقد المؤتمر التشاوري لاتفاق الشرق(14/11/2006).

4/ متابعة تعديل الدستور لتضمين الاتفاق فيه.

5/ اختيار المرشحين لمؤسسة الرئاسة.

6/ اختيار المرشحين لمنصب وزير الدولة.

7/ اختيار ممثلي الجبهة في المجلس الوطني.

8/ وبقية اتفاق السلطة على المستوى الولائي والمفوضيات.

في صندوق التنمية والأعمار:

1/ متابعة إنشاء الصندوق وتعيين ممثلي الجبهة الثلاثة فيه.

2/ البدء في إعداد القوانين الخاصة بالأراضي وتنمية الموارد الطبيعية

في الترتيبات الأمنية:

1/ اللجنة العسكرية العليا كان من المفترض أن تنشأ بعد 7 أيام من توقيع الاتفاق.

2/ تحديد وتسليم الخرط الخاصة بالألغام كان يجب أن تسلم بعد 7 أيام من التوقيع.

 

وشهدت الدكتورة علي نفسها و تنظيمها و هي تقول : ( هكذا هنالك بنود كثيرة كان بجب أن تنفذ تقلّصت كلها وأصبح المنصب هو المؤخر لاتفاق الشرق. ما الذي يستفيده إنسان الشرق من تعطيل بنود الاتفاقية. كنت سأكون سعيدة جداً لو كان البطء من الحكومة على الأقل نجد شماعة نعلّق عليها التأخير. ولكن للأسف فإن التأخير من جانب جبهة الشرق).

 

و قولها بخصوص صندوق الشرق الذي تتشدق به : ( بالتأكيد أن التنمية وصندوق الإعمار يستغرقان وقتاً لإحداث تغيير في واقع الشرق لذا فإنه سيمتد لخمس سنوات. كما أن اندماج القوات وبقاءها يحتاج لوقت كما حدد في الاتفاقية).

 

وإلي لقاء في حلقة قادمة مع (البصيرة أم حمد) وأمثالها ممن تسول له نفسه

 اللعب بعقول ومشاعر الناس ..

 

بقلم الأستاذ / أبو فاطمة محمد أوهاج / الحركة الوطنية لشرق السودان

 

22 ديسمبر 2006