البجا.. وقفاتٌ عند تواريخِ المظالم..

ابو فاطمة محمد اوهاج
الحركة الوطنية لشرق السودان

 وصف من وقعوا سلام الشرق تقسيم المناصب الدستوريه بانه تقسيم عادل ومنصف لكل كيانات الشرق . لكنا نقول أنّى له أن يكون كذلك اذ سينال، وفق له ، مؤتمر البجا 18 مقعدا، والتقري 16، ثم يغيب تماما عن ترشيحاته من هم اعرق جذورا من التقري؟ إنها لقسمة ضيزي وستظل هكذا الي ان يذهب من جاءوا بها حيث تلحقهم هي آنذاك فهي بعيدة كل البعد عن أن توصف بالتقسيم العادل.

إنّ البجا هم مجموعة قبائل متعددة ماتزال، الى يومنا هذا، تعاني صراعاً بينها وبين العرب ومجموعات عرقية أخرى ( أو من يسمّون بـ’البلويت‘) جل اهتمامها السيطرة والهيمنة على ثروات أرض البجا، ومعلوم للجميع انه بعد استقلال السودان في عام 1956 لم يكن نصيب تمثيل البجا في الحكومات القوميّة متعدياً بضعة أفراد.   والمراجع الموثقة لهذه الحقيقة- بالارقام- كثيرة جدا  لعل أحدثها، وليس آخرها، الكتاب الاسود.  مثلا فحكومة الفريق إبراهيم عبود (1954 ــ 1964) ، لم يمثّل البجا فيها ولو بفرد واحدٍ وإنما كان المتسمين بالبجا فيها هم من اهل الشمال السوداني تحت زعامة الحزب الاتحادي الديمقراطي بمسمياته المختلفة وان كانت اساليبه لم تتغير بشيئ يذكر.  والحزب الاتحادي بعجزه المتواصل عن تقديم شيئ يذكر للشرق فتح الخيار امام العديدٌ من البجا للإنضواء تحت لواء الحركة الإسلامية السودانية.  ثم خلال فترة الديمقراطية الأولى (1964م ــ 1969) حصل البجا على منصبين فقط لا غير.  وإبان عهد الديكتاتور جعفر النميري (1969 ــ 1985) حصل البجا على منصب واحد فقط..  وخلال فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي الأول (1985 ــ 1986) لم يحصل البجا على أي منصب..  وخلال فترة الديمقراطية الثانية (1986 ــ 1989) حصل البجا على 3 مناصب..  وخلال حكومة الإنقاذ العسكرية الأولى (1989 ــ 2000) ضم مجلس قيادة ثورة الإنقاذ 15 عضواً ولم يمثل فيه البجا بينما بلغ نصيب الشماليين فيه 10 مناصب.

 

أما عهد حكومة الإنقاذ العسكرية الثانية - الذي جاء بعد انتخاباتٍ في أواخرِ عامِ 2000- فلم يغيّر شيئاً في شــــــــكل أو مضمون الهيمنة الشمالية.  وإن أتينا لأمر ولاة البجا ( أي ولاة الشرق) نرى إنهم قد بدّلوا كثيراً بولاة عسكريين من الشمال والغرب..  ولئن عرجنا على التمثيل النيابي البرلماني لرأينا أنه في انتخابات العام 1986 الجغرافية جاء من الشرق 28 نائباً ومثلهم من الشمالية، علماً بأن عدداً من نواب الشرق كانوا من الشماليين، إضافة إلى الشماليين القادمين من الأقاليم الأخرى. أما دوائر الخريـجين في تلك الانتخابات فم يكن من بين نوابها بجاويٌّ واحد، علماً بأنه، وفق الإحصائيات، فقد فاز في تلك الإنتخابات، من الشرق، ثلاثة مرشحين كان من بينهم بجاوي واحد بينما كان الإثنين الباقيين من الشمالية.  ذلكم في حينٍ مثّلت فيه الشمالية، في تلك الدوائر، بثلاثة نواب.

 

كثيرون لا يعرفون البجا .. وآخرون يخلطون بينهم وآخرين رغم تميزهم وفرادتهم في تكوينهم وانتشارهم على أرض السودان.  والدعوة لسلامٍ أو إتفاق صلح بين البجا والعرب حدثت، بتوالٍ، طيلة القرون الماضية، الشيء الذي فتح الباب للهجرة العربية (البلويتيّة).  وكلمة "البلويت" تعني ’الجلابة‘، أي أولاد البحر أوالقادمون الغرباء لأرض الذهب أو ارض البجا ، بينما تعني لفظة " البدوايت " البجا.  ولفظ البجا أصله في النطق و القراءة "المجا"، وتلك كلمة مشتقة من اللغة الفرعونية و معناها المحارب ويطابقها، فرعونيا، لفظ "أبشا - البجا" الذي كان يُطلق على سكان الصحراء . المواجهات بين البجا والعرب لم تكن و ليدة عهد الانقاذ و انما هي ضاربة الجذور فى ما تنتهى اليه من اتفاقيات ومعاهدات آخرها صلح 2006 بأسمرا، حاضرة الدولة الحديثة في المنبت و المنشأ والتي مثلها مثل المتآمرين القدامي ما فتئت تفصح عن وجه قبيح من الاطماع كانت اول ملامحه دعمها لسلام الشرق المعطوب في ابريل 2006 .

 

وحتي لا تؤآخذ الانقاذ بجريرة من سبقوها في سنة الظلم ، ثم حتي لا تلام اريتريا الحالمة علي اطماعها دعونا نوثق للقراء تاريخ التآمر المحلي والعالمي علي البجا ولنعد بالذاكرة الي ما ذكره المقريزى، في هذا الخصوص، بقوله إن أول من عقد اتفاقية هدنة مع البجا هو عبد الله  بن الحبحاب السلولي في عام 752 ميلادي ، ثم تلاه عبد الله بن الجهم على ايام الخليفة العباسي المامون فى 831 ميلادي.  ومن المبكيات المضحكات التي تستحق الاستحضار في هذا المقام ما نصّت عليه اتفاقية ابن الجهم القاسية ، والتي جاء منطوقها، بأن يكون البجا عبيدا لأمير المؤمنين، وقد أدى ذلك الظلم والاستعباد الواقع علي البجا إلى تمردهم فأغاروا، آنذاك، على مناجم الذهب بالعلاقية.  وطالما أن للذكري ناقوس يدق في عالم النسيان فعسي ولعل ان يغير مغاوير البجا علي منشآت شركة ارياب الفرنسية، فالظلم هو نفس الظلم والمظلوم هو نفس المظلوم علي مر الدهور والاجيال.  أما الخليفة المتوكل فقد ندب عبد الله القمي آنذاك لحرب البجا في سنة 854 – 855 ميلادي، فما اشبه الليلة بالبارحة، و ما اشبه عبد الله القمي بمجذوب الخليفة وصحبه الميامين !

 

الخليفة العباسي المامون أمر والي مصر ان يمده بالرجال لمحاربة البجا وقاد القمي جيشا كبيرا بلغ تعداده 20 الف.  وعند مروره على وادى العلاقى تبعه من بني ربيعة ومصر واليمن نحو 3 آلف محارب وحملت المراكب المؤن الى ميناء عيذاب لملاقاة البجا، و بالفعل انتصر الظالم في تلك المعركة الجائرة عندما أخذ زمام المبادرة في القتال.  وبعد الهزيمة طلب ملك البجا ،(علي بابات)، الصلح الذي نصّ على أن يدفع الخراج وأن لا يمنع المسلمين من العمل في مناجم الذهب.  ثم دارت دورة الايام و أتت إلى ابواب الالفية الثانية وهاهم البلويت ينقضون علي البجا تحت راية الاسلام حتى بعد أن دخل البجا في دين الله افواجا واصبحوا لا يقلون في سيرتهم عن سيرة مسلمي دارفور (الذين يفرقهم سواد السحنة) ولا يجمعهم مع الانقاذ حتي اسلام التوجه الحضاري وانما ثروات الباطن من غاز طبيعي وذهب اسود، فهل سيظل التاريخ يعيد نفسه حرفيا دونما تغيير يذكر او تبديل؟

 

بفعل ذلك التسامح الضارب في القدم- وكما تعارف الناس علي ان البجاوي ولوف (أدروب ولوف)- تدفق، آنذاك، العرب علي أرض الذهب وتزايدت اكتشافات مضطردة لمواطن أخرى غنيه بالذهب على طول ارض البجا، تماما كما هو معلوم اليوم عن غنا ارض الشرق بالبترول والغاز وغيرهما من ثروات لم تضمن بعد في اتفاقية البلويت ابريل 2006 .  اكتفى البجا آنذاك بمساكنة ومجاورة ومصاهرة العرب مما أدي إلى اعتناق أعدادٍ كبيرة من البجا للإسلام.  بسطت الدولة الإسلامية (الجبهة الاسلامية)، من بعد ذلك، نفوذها على المنطقة.  وحتي لا يحسب الناس إنا كنا مازحين فقد تم آنذاك ذكر علي بابات، ملك البجا، فى الرواية المعروفة فى تلك الفترة باسم "علي بابا والأربعين حرامي "، كما وردت سيرة ارض البجا في قصص ألف ليلة وليلة في حكاية علي شار وزمرّد الجارية وهكذا يزوّر التاريخ حيث يصبح صاحب الارض والثروة قائد عصابه يتبعه اربعون حرامي ويصبح الغاصب العادي من البلويت صاحب حظوة وملك و جاه و سلطان، وبالبلدي كده: ( ما فتئت دجاجة الشارع تطرد دجاجة البيت ) ، او كما ساد في العاميِّ من امثالنا السودانية.  وتماما كما استعان خلفاء الاسلام القدامي بغيرهم لالحاق الظلم تستعين الانقاذ بنظام أريتريا النّكرة و تعطي محسوبيه مواطئ قدم لهم في المناصب الدستورية، متعمده في ذلك اذلال وتهميش واضعاف أهل الحق.

 

ثم تتوالي المظالم والهجمات تتري علي قبائل البجا،ونذكر ذلك هنا للقراء علهم يربطوا الماضي بالحاضر ومن ثم يقرروا كيف سيكون المستقبل، علما بأنه اذا الحق المضاع أصرَّ يوما تحدي النار واقتحم الحديد.  وللذكري فقط  نقول إنه في بداية الدولة الطولونية بمصر عام 868 الميلادي دخلت أرض البجا هجرات عربية غاصبة و كبيرة جداً.  وقد قدم اليها فيمن قدموا أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحميد العمرى بعد حربه مع النوبة في عام 868 م / 869 م وكان معه آنذاك نفر عظيم من قبيلة ربيعة وجهينة.  ورغم اختلاف أسباب تلك الهجرات الغاصبة لارض البجا فقد كان الغرض الاساسي منها الهيمنة على ارض الذهب وأسبابٍ متعلقة بطموحاتٍ شخصيّةٍ لملوك الزمان الذين طالما تغيرت اسماءهم و لم تتغير افعالهم.

 

ويحدثنا المسعودي- في سنة 940 ميلادية- عن اختلاط عرب ربيعة بالبجا في منطقة المناجم ، و يذكر المسعودي أن أمير أولئك، أبا مروان بن إسحق بن ربيعة، كان متحكماً في جيش قوامه 3 ألف فارس من ربيعة ومن حالفهم من العرب و30 ألف من الحداربة ( ولعل أصلهم من حضرموت)، كما ويوردُ أخباراً عن وصول الإسلام إلى سواكن حيث أقامت جماعة اعتنقت الإسلام وعرفت باسم "الخاسة". و يتضح من هذا التوثيق التاريخي الدقيق ان بلاد الشرق قد:

 

قد سمن الدخيل بها و اخصب اهله فكساه من الق الهناءة رونق

 

بل وأن رئيس الدولة إيّاها قد أوغلته حفنة الانقاذ في ثراء عظيم علي ان يعينها في تغيير الخارطة الديمغرافية للمنطقة.  وذلكم  تماما كما تحاول هي الآن ان تنفذ نفس السيناريو في دارفور و لا تبالي، في سبيل ذلك، حتى باتباع سياسة الارض المحروقة، فهي لا فرق عندها، في النهايةِ، بين أن تحرق أرض دارفور بالطائرات وتحرق ارض البجا بالتآمر مع الاجنبي المبتذل  و الدخيل الغاصب و النكرة النهمان لاخذ حقوق الغير بالباطل و في وضح النهار.  ثم يمضي المؤرخون في توثيق الحقائق بقولهم إنّ الوقائع التاريخية تدل على أن من بين الأماكن التي هبط فيها العرب جزيرة عبري الواقعة جنوبي بورتسودان بحوالي 200 ميل وما تزال المقابر بادية وعليها الشواهد التي تنبئ عن سكان تلك الجزيرة من العرب ووفياتهم غالبها كانت في القرن الرابع والخامس من الهجرة وفى إحدى شواهد تلك القبور ورد ما يلي:-

( بسم الله الرحمن الرحيم  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الله الصمد  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ . هذا قبر الوليد بن أحمد بن الوليد بن ابان  توفي يوم الجمعة بيومين مضيا من المحرم سنة سبع وثمانين وثلثمائة ) .

وما يزال حجر ذاك الشاهد موجوداً في متحف السودان بالخرطوم وقد عثر عليه في سنة 1907 ميلادية.  إنّ ذلكَ، ولا شكّ، من أقدم شواهد القبور العربية في السودان.

    

يتضح من مسيرة البجا التاريخية ان الأقليةَ إيّاها كانت- وما تزال- تعاني من سياسة التهميش والعزل والسيطرة والهيمنة على ثرواتها وأرضها، الشيء الذي أدّى، في أحايين كثيرة، إلى تمكين أقليات وافدة من غير البجا من السيطرة الاقتصادية والزراعية،إضافةً إلي السيطرة الإدارية الحكومية على مدن الشرق مما جعل قبائل البجا يفضلون العيش خارج المدن ومما ترتبت عليه أوضاع مأساوية لكثيرين منهم يعيشون على طول سواحل البحر الأحمر وحتى حدود المناطق المتنازع عليها بين السودان ومصر التي يطلق عليهااسم ’ مثلث حلايب ‘ ويعانون من أمراض فتاكة كالسل وارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال والشيوخ نتيجة لعدم توفر الخدمات الصحية حيث يقيمون.  ثم هناك قبائل أخرى من البجا تسكن مناطقاً حول مدينة كسلا والقضارف ويعاني أهلها- أيضا- من تدني الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن الأمراض الوافدة كالإيدز الذي غدا شبحاً يُخيّم على أقاليم شرق السودان نتيجة لتدفق هجرة لاجئينَ من دول الجوار أصبحوا يشكلون عبئا إضافيا على كاهل الخدمات المتواضعة فى مدن شرق السودان..

 

إنّ شعب البجا شعبٌ عريقٌ وذو تاريخٍ ضاربٍ في القدم، لكنه يظل يعاني صراعٍ طويلٍ من أجل البقاء على أرضه، أرض المعدن والذّهب..

 

ابو فاطمة محمد اوهاج

الحركة الوطنية لشرق السودان