سلام الشرق وقع تحت الخوف

 

أبو فاطمة محمد أوهاج

الحركة الوطنية لشرق السودان

 

سلام الشرق المتعثر والمبعثر الأوراق تكشفت آخر حقائقه بأنه كان سلاما تم التوقيع عليه تحت الخوف المرعب ، ولطالما قد اقترن لفظ الخوف "بالمجهول" ففي القرآن الكريم مثلا لا نجده معرفا بالألف و اللام إلا في أربعة آيات فقط – أما كلمة "خوف" بصيغة التنكير فقد وردت في 22 موضع من آيات القرآن الكريم .

 

تعالوا نستعرض لماذا ، وكيف ، ومتى كان الخوف مصاحبا لتوقيعات سلام الشرق – وبعد عودة الموقعين للسودان ، تعالوا نشهد علي الذين زرعوا الخوف والذين راحوا ضحيته ، وفي أي المواقع من ارض الله الواسعة كانت الأحداث المفزعة والتي تمخض عنها جبرا اتفاق اسمرا ؟

 

كان الخوف مجرد امتحان في مقدرة المناضلين علي الصبر في تحمل المكاره وقد وقع علي المناضلين الشرقاويين من داخل وخارج الحدود الاريترية،  كان خوفا في شكل ابتلاء الهي ولم يكن يقل قسوة عن خطر الجوع و ضياع الأنفس و الأموال والأولاد الذين تركهم المناضلين ضعافا من خلفهم بعد أن احتبستهم إريتريا في سجونها تحت الأرض وضاقت عليهم قفار المسافة بين الحدود و الداخل الآمن من قري الشرق التي حفت بالمخاطر ، ولشدة ما ذاقوا من وبال أمرهم ما كانوا بعد ذلك يظنون أنهم عائدون إلي أهلهم أبدا أو أن ديارا كانت لهم ستظل في انتظارهم بعد العودة سالمين.

 

(  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155)

 

كانت تجارب شهود العيان تمثل بحق وحقيقة صبرا علي رعب الخوف ولعله من اقسي أمثلة الامتحان في تحمل المكاره ليست في الخوف لحد ذاته فحسب ولكن القسوة تكمن كذلك في كتمان ذلك الخوف ، وهو الذي عادة ما تعجز الكلمات عن ترجمته إلي إحساس معاش يتلمسه القارئ – والخوف بهذا الوصف تجربة شخصية تتصارع فيها دواخل الإنسان بين: ( رحمان الثبات واليقين) مع خصمه ( شيطان الهلع والفزع ) وآنذاك إما الهزيمة أو النصر و بطبيعة الحال فالثمن باهظ جدا في كلا الحالتين.

 

( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83)

 

بين هذا و ذاك ظلت آمال البسطاء من أهلنا بالداخل تترقب نصر الذين خرجوا للنضال من اجلهم أو هكذا كانوا يحسبونهم ، و ما أدراك ما أحلام البسطاء " أن تكون لهم قري آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان  - ولكن فلنتساءل هل كفر هؤلاء أو أولئك بأنعم الله حتى يستحقوا مرة أخري لباس الجوع والخوف ؟؟ ..  أم أن الذين خرجوا كفاحا عن قضاياهم قد خار عزمهم فآثروا أمان العودة السليمة وهم يعلمون الثمن ؟؟ .. ولربما كانوا يختانون أنفسهم ولا يكادون يرون عورات التقهقر للمتاع الزائل؟

 

( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (112) سورة النحل

 

هؤلاء المناضلين الذين كانوا شجعانا جدا و أمناء في سردهم للأهوال المرعبة كانوا بالفعل أشحة بآذانهم علي الحركة الوطنية لشرق السودان فجعلوا أصابعهم في آذانهم و أستغشوا ثيابهم وأصروا و استكبروا استكبارا و كأنما أطماعهم في العرض الزائل قد جعلت علي قلوبهم أكنة لان يفقهوا قولنا و كان في آذانهم وقر و كنا إذا ذكرنا لهم السلام العادل ولوا علي أدبارهم نفورا و لعلي بهم آنذاك قد انتابهم خوف من الدرجة الرابعة – ولكنهم ماذا قالوا عندما أحسوا الأمان؟ سلقونا بألسنة حداد و هم اشحة علي الخير ونحن بذلك علي قناعة بأن أولئك الرجال وأمثالهم لم يؤمنوا بعد وأن عاقبة أمرهم أن تحبط اتفاقية سلامهم الواهنة و كان ذلك علي الله يسيرا.   

 

والآية التي تحدثت عن رابع أنواع الخوف المعرف بالألف واللام.

 

( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (19) سورة الأحزاب

 

ستظل عودة الموقعين للاتفاقية مثلا لنزول أدم من الجنة ينتظرون هداية الحركة الوطنية لشرق السودان ، آنذاك قلما يفارقهم الخوف و إن كانت أنواع الخوف قد تبدلت عليهم نوعا نوعا فلعله قدرهم . هذا في الوقت الذي كان فيه الإيمان بعدالة القضية ممكنا علي بيوتات البجا وأهل الشرق عموما و إن تعددت أسماؤهم و كثرت ألوان راياتهم فالقضية كانت ستكون واحده آنذاك ولا خوف علي الجميع و لا هم يحزنون.

 

ولكن المناضلين الأشاوس قرروا تحت تأثير الخوف المرعب ألا يسلموا وجههم للحقيقة وعجزوا عن إحسان النحر في توقيعهم علي الاتفاقية الانتحارية و علية سيلازمهم الخوف بأنواعه و ستدلهم عليهم خطوب الطمع و الجهل فيتعمق حزنهم و لا نملك آنذاك  إلا أن نرفع اكفنا إليهم بالدعاء " اللهم لا شماتة و أنت تجعل الحزن سهلا إن أردت" فلا نسألك رد القضاء و لكن نسألك اللطف فيه ، فيسر اللهم علي إخوان لنا في النضال – آمين.

 

عادوا من كراكير التلال الحدودية مع ارتريا فارين من الخوف إلي الخوف و مهرولين من الموت إلي الموت و هم لا يعلمون آنذاك أن الفرار من الموت لن يغني أبدا عن لقاء الموت ثم يردون إلي عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعملون. لو أنهم أرادوا الأمن والاطمئنان الحقيقي لأنفقوا قلوبهم الواجفة علي أهل الشرق ولتحملوا الخوف لكونه قدرهم ولعلموا أن الله لا يجمع لعبده خوفين أبدا و لا يجمع له الأمن مرتين ولكنهم خلطوا عملا سيئا وآخر صالح عندما فاحت بينهم رائحة الفساد المالي متعالية.

 

ولعلهم آنذاك قد أكلوا أموالهم بينهم بالباطل وحسب -  بل الحقوا الإنفاق الشحيح بجريرة المن والأذى و لعلي بهم حينئذ ( أن لا اجر لديهم عند ربهم غير المزيد من الخوف والحزن). اختاروا الدنيئة في دينهم فظلت يدهم سفلي و أيادي الإنقاذ و ارتريا كانت عليهم دوما اليد العليا ، وبخلوا بما عندهم مما كان بأيديهم أن يحققوه  بالحرص علي المبدأ سرا وعلانية و لو أنهم فعلوا لكان أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

   

تناسوا عن عمد أن يقيموا الصلوات في محراب الحقيقة وكان تناسيهم دليلا علي قلة معرفتهم بالحقيقة وبالتالي ضعف إيمانهم بها.  أما نحن في الحركة الوطنية لشرق السودان تصادقنا علي أن نبقي قابضين علي قولة الحق تماما كالقابض علي الجمر ، هذا وقد آتانا الله من فضله مستبشرين بالذين لم يلحقوا بنا من أمثالنا ،  ومتنعمين حمدا لله بقلة الخوف ووفرة الأمن والأمان. نحن في الحركة الوطنية لشرق السودان ظللنا نصر علي أن يكون ولينا الرحمن و أن ندع الشيطان يخوف أولياءه و سوف لن نخاف أولياء الشيطان قابضين علي جمر الإيمان بعدالة قضايا أهلنا في الشرق وحقوقهم المستحقة أسوة بأهل الغرب و الجنوب.

 

الذين اختاروا عرض الدنيا الزائل موعدهم صبح الانتخابات المزمعة وآنذاك يشرق التحدي بشكل جديد من أشكاله وفريد في أوصافه – وحيث يرد أمر الأمن والخوف إلي الرسول والذين يستنبطون الحقيقة من عاقلة مجتمع السياسة في السودان. أما هذا السلام المهزلة وإن أذاعوا به فهو أمر امن مؤقت، و لولا فضل الله علينا ورحمته أهل الشرق وفسيفسائه السياسية لاتبعنا شيطان التوقيعات إلا قليلا. 

 

سنظل باقون علي العهد والوعد في إتباع العمل الصالح والإيمان بزوال العارض من فتات الأموال و في هذا و ذاك نحسب أنفسنا نحن في الحركة الوطنية لشرق السودان بأننا أمناء امة وحملة رسالة نبشر الناس بالخير وننذرهم من الشر وندعوهم للصلح و الإصلاح ونزداد قوة بقناعتنا ويترسخ إيماننا بعدم الخوف من المجهول وعدم الحزن علي العارض من فتات الموائد ولعله اختبار لنا حتى لا نأسى علي ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا متيقنين بأن الله لا يحب كل مختال فخور.

 

البلاء العظيم الذي يتلقاه نضال أهل الشرق من اجل حقوقهم  نري أنفسنا فيه رسلا نذكر الناس بآيات البلاء فمن اتقي و أصلح فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون – وقد اقسم رجال اسمرا ألا ينالنا الله برحمة ، ووعدنا المولي بأن يدخلنا جنات أمنه في الدنيا وان يضمن لنا رضاه في الدار الآخرة طالما ظللنا قابضين علي جمر الحقيقة، ناهين عن الفساد والإفساد في الأرض بعد إصلاحها داعين الله خوفا وطمعا متيقنين بأن رحمة الله قريب من المحسنين . 

 

إننا في الحركة الوطنية لشرق السودان نتمثل العبرة من " قوم موسي" حيث لم نتوقع أن يؤمن برسالتنا إلا ذرية من أهل الشرق علي خوف من فرعون " المال و الجاه و السلطان" والذين يمالئوه ، و في تاريخ الأمم يا لكثرة من طغي و تجبر من فراعين الأرض ثم زلوا وأهانوا بنفس القدر الذي تكبروا به. أما رؤيتنا السياسية لمستقبل الشرق فستظل فتنة للناس شأنها شأن الشجرة الملعونة في القرآن ولأنها عصية علي التركيع ومتطلعة ستظل تخيف الناس فما يزدادوا في مواجهتها إلا طغيانا كبيرا.  

 

إننا في الحركة الوطنية لشرق السودان نحيا علي الوعد الإلهي للمؤمنين الذين عملوا الصالحات بأنه سيستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونه ولا يشركون به شيئا و من كفر من أعدائهم الألداء وخصومهم فلهم جريرة الفسق و عاقبة المكر السيئ. و نكرر بين الفينة والأخرى قول الله عز و جل:

 ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ )الزمر36

 

وفي الختام ندعو الله أن نكون من الذين ( قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )الأحقاف13

 

 

أبو فاطمة محمد أوهاج

الحركة الوطنية لشرق السودان

15 سبتمبر 2007