ســــــــلام الشــــــــرق الغائب (2)

 

( الجزء التمهيدي )

 

استعراض وتحليل عام لقائمة محتويات اتفاقية شرق السودان

 

محمد الأمين عبد الحليم – قيادي بالحركة الوطنية لشرق السودان

 

 

جاءت كلمة (الشرق) بصيغة النكرة تماما كما جاءت كلمة (السلام) ، ولعلها مجرد صدفة أو لعلها من محسنات الصياغة البديعية ، ثم تلت ذلك قائمة بمحتويات اتفاق الرابع عشر من أكتوبر 2006 ، ولعله من مقولات أهلنا الطيبين التي تعارفوا عليها في كافة أصقاع السودان ... يقولون: ( والجواب يكفيك عنوانه ) فكانت قائمة المحتويات لهذه الاتفاقية عنوانا كافيا لما يحتويه خطاب السلام الذي أرادته الإنقاذ عنوانا لشرعة ومنهاج ترتضيه لكافة أقاليم السودان ، وللضرورة أحكام في ظل غياب السلام وعجز الحكومات السابقة عن الإتيان بالاستقرار السياسي ، وهذا هو جهد العاقلة ولكل مجتهد نصيب ،  ومن اجتهد واخطأ فله اجر المجتهد ،  وإن أصاب فله أجران وعلي الله التوفيق -  أو هكذا أرادت الإنقاذ أن تقول ..

 

 فماذا جاء بقائمة محتويات الاتفاقية: - ( أسماء مملكة في غير موضعها تحكي انتفاخا صولة الأسد)

 

الفصل الأول

من محتويات الاتفاقية أنها اختزلت في هذا الفصل " القضايا السياسية " في مصطلحي ( الحكم والسلطة ) ومن ثم وزعت الحكومة كراسي الحكم ومناصب السلطة علي المعارضين وكل شيء عندها بمقدار ، ولعله ثمة قصور في تعريف : "القضايا السياسية" علي أنها مجرد مناصب توزع علي المعارضين، ومن المصلحة ألا نتطرق في هذا المقام تفصيلا لتوزيعات المناصب التي اشرنا إليها ، بل من المستحسن أن نتناولها بالتفصيل عندما نتعرض للكم والكيف الذي تم به توزيع تلك المناصب زعما بأن ذلك إنما هو الحسم والقول الفصل في ملف " القضايا السياسية " بشرق السودان ، وبالبديهة فما سار علي الشرق المسالم سوف يسير علي الوسط والشمال  كما يبدو ، وكأنما أهل الشرق والوسط والشمال لم يبوءوا أبدا من قبل مناصب سياسية في الحكم ، والحقيقة أن أهل الشرق وغيرهم منهم من هو عضو حاكم مع الإنقاذ منذ مجيئها من الذين استمتعوا بخلاق السلطة الزائلة كما استمتع الذين من قبلهم وخاضوا كالذي تخوضه الإنقاذ اليوم مع شركائها ، فاضلوا وضلوا عن سواء السبيل ، مثلهم كمثل الظمآن يترءأي له السراب فيحسبه ماءا ثم لا يلبث أن يلهث وراءه حتى إذا أدركه وجده سرابا ووجد الله عنده فوفاه حسابه  ، أو ليست هذه هي سيرة السياسة السودانية قبل وبعد مجيئي الإنقاذ المجددة ؟ بل ومنذ أن استقل السودان وعلي مر مراحل النضال فقد كان رجالات الشرق يمثلون في الحكم بطريقة أو بأخرى في منصب أو آخر مع حكومة أو أخري ورغم ذلك ظلت "القضايا السياسية" للإقليم والوطن عالقة بل ولا يوجد لتلك المصطلحات تعريف جامع مانع علي مستوي العمل السياسي الوطني العام،

 

فالسؤال: إذا ما هو بيت الداء إذا لم يكن مجرد توزيع للمناصب ؟

والسؤال: ما هو منشأ الخلاف؟ و هل تم التعرض له في هذه الاتفاقية تلميحا أو تصريحا -  حتى يحق لنا وللإنقاذ القول بأن العلة قد زالت بزوال المعلول؟

 

وعليه  فالحقيقة الباقية أنه قد جاء توزيع تلك المناصب علي فئة حملت السلاح وارتأت أن وضع السلاح لا يتم إلا بإعطائها المناصب فاستجابت الإنقاذ ولله درها وهي القائلة علي لسان الرئيس:  أنها سوف لن تفاوض أحدا إلا من كانت قدمه علي شبر من سودان الإنقاذ وبيده قطعة سلاح ، فوضع السلاح ثم وزعت المناصب واستوت سفينة السلام الخادعة علي جودي الغش وغيض ماء الغرق السياسي وقضي أمر النجاة للإنقاذ وشرق السودان ..... ولا يمكن لذلك بأية حال أن يسمي حلا "للقضايا السياسية"  التي لم يتم تعريفها بعد.

 

الفصل الثاني

جاء مصطلح القضايا الاقتصادية غير مفسرا حيث انه ملتبس في نفس القائمة مع مسمي آخر تحت مصطلح "توزيع الثروة" وفي كلا الحالتين لم يرد تعريف لماهية الثروة أسوة باتفاقية نيفاشا أو ابوجا ، ولطالما أن القضايا الاقتصادية من أولي أولويات الرعية فإنها لا محالة تحتاج إلي ميثاق اقتصادي وطني شامل ودائم - مبرأ من القفز علي الحقائق - مستند إلي دستور دائم مصادق عليه من قوي سياسية تمثل صمام الأمان للإجماع الوطني ، ولعله في ذلك إذا ما قدر له أن يكون  اعتراف بالحقائق علي الأرض والتي تقر بأن الشرق اقتصادا وسياسة إنما هو ملك للشرعية الانتخابية المرتقبة والتي ارتضتها الإنقاذ "علي الورق" ، وانه لربما قد آن الأوان لأن تظهر أو لا تظهر  بوادر المصداقية من الإنقاذ قبل 2009 في ترجمة الشعار إلي واقع عملي حيث جعلت الجميع ينتظرون الغد وإن غدا لناظره لقريب ، وفي هذا الغد المنظور قد يحق للحزب الشيوعي مثلا أن يرشح نفسه ببرنامج اقتصادي يطرح العدالة الاجتماعية من منظور اسلاموي أسوة ببضاعة الأسلمة الرائجة ولا ادري لماذا لا حيث أن الأسلمة نقيضا للعولمة أضحت البضاعة الرائجة في سوق الإنقاذ السياسي والاقتصادي ، ومن حق الاتحادي الديمقراطي مثلا وهو صاحب السجادة الصوفية و السند الشعبي بالشرق ، من حقه أن يفضح ممارسات الاقتصاد الإسلامي علي أيدي الإنقاذ ويأتي ببرنامج طهر وفضيلة إسلامية صوفية مغايرة لممارسات الإنقاذ ومتجددة ، إذا فالحسم الارتجالي لقضايا الشرق الاقتصادية بمثل هذه الاتفاقية لهو حسم  متعجل ومنقوص بطبيعة الحال ولا يعدو كونه مزايدة مبكرة ومصادرة مبكرة علي المطلوب إثباته ، وهو بذلك مؤشر سلبي يناقض منطق الشرعية الدستورية الذي صادقت الإنقاذ علي نفاذه عبر انتخابات حرة في 2009 .

 

إنه لمن أمثلة تناول الإنقاذ المعوج لمنطق الأشياء وذلك بأنها كانت دوما عندما تفاوض تتبني " فرق تسد " ، وعندما تصالح تحتفظ بخط الرجعة ، وعندما يسألوها عن الأخطاء تتذرع بأنها ما كانت لتنتظر ، وعندما تلام بالشمولية تدعي بأنها قد فتحت صدرها للناس، وعندما يتحاج الناس إليها بالشرعية والدستورية تهرع إلي قانون الطوارئ ، وعندما يحاصرها المجتمع الدولي تستنفر الهمة الوطنية -  والدلائل تتواتر علي قولنا هذا ، ولعل البرهان الأخير جاء ممثلا في لقاءات تلفزيون السودان أواخر أكتوبر 2006  مع د. غازي صلاح الدين . ومن أخطر أمثلة التذرع بالدين والتشبث بالمعية الإلهية أن قادة الإنقاذ جازمون بأن مكيدتهم إنما هي مكر الهي ، وأن الله بالإنابة عنهم خير الماكرين وكأني بهم أبناء الله وأحباؤه ، ( بل هم بشر ممن خلق - ولله في خلقه شئون). 

 

مثل هذا التناول الأبلج للحق ربما يصلح في حالة ما إذا ووافقت الإنقاذ علي أن سلام الداخل ووحدة الصف الوطني ضرورة قصوى وبديل مفضول لا بد منه، وهو كذلك ربما يصلح في حالة ما إذا صادق الناس الإنقاذ وناصروا إصرارها علي عدم إقحام المجتمع الدولي حتى ولو  بصفة مراقب ، وإلا فان لم يكن -  فلا يحق للإنقاذ أن تقصي من بالداخل والخارج في حسم ملفات بهذه الأهمية  تعز بها  من تشاء وتزل من تشاء ، وقد يكون الخير بيدها كما أرادت أو كما كان في سالف الأمم بأيدي حكام ،  (ملوك - طغاة ودعاة وحتى أعلام تقاة) ثم انتقلوا إلي حيث لا رجعة ، والله غالب علي أمره  ولكن أكثر الناس لا يعلمون بأنه هو وحده علي كل شيء قدير ولا يشرك أبدا في حكمه أحدا.

 

 مصطلحات مثل "القضايا الاجتماعية والثقافية" لعلها من المصطلحات الغريبة علي شبيبة الحركة الإسلامية عموما ومبدعيها خصوصا ، وذلك لأن إبداعات الحركة الإسلامية منذ نعومة أظافرها إنما  كانت مقتصرة علي الفتاوى والاجتهاد السياسي والاحبوكات التنظيمية منتهجة مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، وغيره ، ثم جاءتهم الدنيا تماما كما جاءت ثعلبة في قطيع عظيم من الغنم ، والماشية استجابة لدعوة الرسول له آنذاك  فيما أراد بقلبه تغليبا علي ما أراد بلسانه ، ولعل الله سبحانه وتعالي ينظر دوما إلي صدورنا ولا ينظر إلي أشكالنا وصورنا ، وباختصار فان قضايا المجتمع السوداني ما كان لها أن تكون من صميم اهتمامات الإنقاذ حتى ولو قدر للإنقاذ أن تتوحد تحت قيادة عرابها وحادي ركبها بحزبه المنشق - وذلك بالدليل ، والبرهان علي ما أستشري في المجتمع من فساد متزايد علي مر حكم الإنقاذ، فهي مثلا التي ظهر في عهدها الزواج العرفي سرا فأصبح ذلك من مظاهر العفة في دولة الإنقاذ السنية وهو بالضرورة وضع أسوأ بكثير من زواج المتعة في أسوأ أوساط المجتمعات الشيعية ، هذا إذا ما قدر للإسلام أن يقتسم بين الشيعة والسنة للذكر مثل حظ الأنثيين ولغيرهم ما تبقي ، علما بأن الشيوعي قد يكون مسلما والبعثي كذلك ، وقد نادي القرآن علي عيسي ابن مريم عليه السلام بأنه مسلم . وفي عهد الإنقاذ التي وعدت الشباب بالإحصان توقفت ظاهرة الزواج الجماعي ولأسباب يعرفها فلاسفة الإنقاذ الاجتماعيين ، وتدهور حال المرأة السودانية من سيئ إلي أسوأ ، فهي بعد أن أصبحت ترعي أيتامها الصغار أرملة للجهاد الإنقاذي في الجنوب طل عليها الدكتور الترابي بمقولته الشهيرة ونكوصه عن شرعية الجهاد بالجنوب ، وابتسم في وجهها مجذوب الخليفة معترضا علي عمل المرأة بمحطات البترول ، فهم تارة يريدونها قارورة عفيفة بعد أن فقدت الزوج ، ويريدونها كذلك طاهرة يملأها الحياء والوقار بعد أن أصبح صغارها أيتاما يحتاجون المربي أكثر من فتات الموائد ، ويريدونها تارة أخري رافضة للسفور ، وملتزمة بالحجاب في الخدمة المدنية بعد أن أضحت تعاني من ضيق ذات اليد ، هذا هو حال المرأة السودانية وهي نصف المجتمع ، واني لأعلم علم اليقين أن تناول موضوعات كهذه من داخل الوطن من الموبقات المهلكات في كتاب الإنقاذ هذا وإن كانت هذه الموضوعات من صميم قضايا المجتمع والثقافة.

 

لعل المجال لا يتسع لإسقاط الضوء علي مزيد من الأمثلة ، ولعله لا يتسع كذلك إلا لتناول شرائح اجتماعية بالمركز ولربما تمثل تلك الشرائح الصورة الأسوأ بالأقاليم حيث أن اهتمام الحكومات بالثقافات  وقضايا المجتمع أيا كانت بالإقليم أو المركز مما لا يعالج أبدا بتوقيع اتفاق مكتوب (بالحبر علي الورق) ولكنه عمل شاق وطويل ، وقد كان علي الإنقاذ لزاما أن تشرع فيه منذ أن جاءت للحكم ، ولكنها انشغلت عنه بتكريس حكمها الراشد، هذا والجميع يعلم أن حلحلة "القضايا الاجتماعية والثقافية" مما لا يتأتي فقط في الظروف الاضطرارية التي تعانيها الإنقاذ من حصار يدفعها للحديث عما غضت الطرف عنه حينا من الدهر ، ولعله بمثل هذا الموقف وفي مثل هذا الظرف الاضطراري الإنقاذي ، لعله لا يمكن الأخذ مستقبلا بأية مصداقية للإنقاذ في ادعاءها الاهتمام  "بالقضايا الاجتماعية والثقافية" وهو نفس المجتمع الذي منعت فيه الإنقاذ المسرح الحر ، وصادرت فيه الصحيفة الجريئة ، وقامت بتشكيل لجان النصوص في كافة مناحي الإبداع تحرم ما تريد ، وتحلل ما يروق لها ، بل إن الإبداع الفني ، والاجتماعي تم إقصائه في فترات آمنت فيها الإنقاذ بأنها فترات التمكين للحكم الإسلامي ، وكلنا يذكر الأمثلة عندما كان صوت محمد وردي مثلا بالمذياع أو ظهوره مغنيا بالتلفاز من المحرمات الإعلامية ، والأمثلة لا عد لها ولا حصر وجلها يتعلق بكسب الإنقاذ السياسي عدما ووجودا ، ولا صلة له البتة بالمجتمع ، وثقافاته حيث لم تتمكن الدولة ولأكثر من عقدين من الزمان في "الحكم الراشد" ،  لم تتمكن من إنشاء مؤسسات العمل الاجتماعي ، ولا هي تخطط لاستيعاب خريجي كليات الاجتماع حيث لم تفتح لهم الدولة لهم الوظائف بعد ، وذلك أسوة بخريجي كليات الطب ، فأي إقعاد أسوا من هذا لتدعي في ظله حكومة الإنقاذ الاهتمام بقضايا المجتمع ، والثقافة أو حتى أن يؤمل من وراءها بأن تؤدي دورا موافقا لأدني معايير العمل الاجتماعي وأدواته المقرة عالميا والتي اقلها حرية التعبير ، ولا حتى عملت الإنقاذ علي إيجاد فكر اجتماعي فاعل يتحولق حوله البحاثة والمهتمين ، بل استفزت الإنقاذ هؤلاء وأولئك من ارض المعركة الثقافية والاجتماعية ، وبفلسفات فردية قاصرة ، ومواقف ، وقرارات ارتجالية متقطعة هي ابعد ما تكون عن كونها مؤشر لاهتمام الدولة بقضايا الثقافة والمجتمع ، وفي بعض الأمثلة لم تبالي الإنقاذ في شرذمة النسيج الاجتماعي في حرب دارفور مثلا ،  والتي وصفها أهل المنطقة والعالم (بالقذرة)،  وذلك كله سعيا وراء سند شعبي يحافظ مستقبلا علي بقاء الإنقاذ في كرسي الحكم بفلسفة (أن هنالك ما يوزع بالسلطان ولا يوزع بالإيمان).

 

ولا يلومن السودان ، والسودانيون إلا أنفسهم وذلك لكون السودان ومنذ الاستقلال أصابته أزمة قيادة ، وأزمة مرجعية في كل مناحي الحياة ، وأن الأمثلة التي تحلق الناس حولها بالإجماع الثقافي والاجتماعي علي قلتها كانت يتيمة ، وافتقدت رعاية الدولة ولم تكن تتعدي الإطار الذي تولد فيه وهي في ضعفها هذا فسرعان ما تستنفد أغراضها فيدركها النسيان فلا تحيا لها ذكري ، ومن أمثلة الثقافة الاجتماعية الدينية الحديثة والتي عليها اجمع الناس فاسقا وتقيا أشعار الشيخ البرعي رحمة الله عليه ، وليست قصائد شنان الجهادية ، ومن قبله السماني احمد عالم في الإنشاد النبوي ، وليست عوض جادين في رعاية إعلام السودان الإسلامي ، ولو حق للإنقاذ كما أرادت عند مجيئها أن تختزل ثقافة (المجتمع السوداني) في الشعر الديني ، ومن بعده الأدب الجهادي ، فقد يحق للحزب الشيوعي مثلا ، وفي ظل السلام ، وغياب دواعي الجهاد أن يكرر مقولته الشهيرة بأن الدين أفيون الشعوب ، وحكوماتها أمثال الإنقاذ ، وذلك لأنه بعد رحيل الشيخ البرعي ، وحرمان محجوب شريف وأمثاله من الإبداع ، وفي غياب المبدعين الإسلاميين الرافضين أصلا لكلمة الإبداع - قد لا يبقي غير الشعر الغنائي الضعيف ، وقد لا تتسع دورات التلفزيون السوداني لبرامج شبيهة ببرنامج الأستاذة روضة الحاج في تكريم الشعر ، والشعراء ، والمبدعين ، أو نوادر الأستاذ الحسين خوجلي محمد في جهده المتواضع لبوتقة السلام الاجتماعي عبر برنامجه الرائع آنذاك " أيام لها إيقاع".

 

وفي ظل هذه الأوضاع الاجتماعية ، والثقافية المتهرئة معلوم بالضرورة  أن الإنقاذ ستواصل حكمها للسودان من اليوم فصاعدا عبر دروع بشرية من القيم الاجتماعية ، والثقافية تستبدلها في طريق معركتها للبقاء بقيم فساد مقنن ، وثقافة اسلاموية مشرعنة ، ومدثرة بثوب الورع وحلو اللسان مع قلة الصدق ، والإحسان ، وكثرة الظلم ، والامتهان ، وستكرس الإنقاذ لبقاء مجتمع كهذا حيث انه من أفضل الأوضاع ضعفا ، والتي لا محالة بضعفها سوف تساعد الإنقاذ في البقاء علي دست حكمها للمجتمع ، والثقافة التي أضعفتها تماما كما سعت الإنقاذ للبقاء السياسي عبر إضعاف ، وشرذمة خصومها السياسيين.

 

 وعليه فالصراع الإنقاذي صراع من اجل البقاء ، وليست من اجل بناء المجتمع ، وثقافاته، وللحديث حول المجتمع وثقافاته شجون ، وقد تنقضي فصول من الكتابة ولا تنتهي قضايا المجتمع ، والثقافة التي أريد لها زعما الحسم عبر اتفاق مكتوب مفضوح النوايا ومحدود في أغراضه ، وهو لا شك اضطراري بالظرف الذي جاء فيه.            

 

الفصل الثالث:

اتفاق وقف إطلاق النار مع الإنقاذ - معلوم انه قد جاء في ظروف جعلت جبهة الشرق توقع عليه " مجبر أخاك لا بطل" ، وهو نفس النهج الذي تبنته كافة القوي السياسية في معركتها ضد الإنقاذ ، فقد عادت قيادة حزب الأمة للسودان ، وسكت صوت البندقية في الحدود الشرقية بعد أن أجبرت قوات التجمع الوطني الديمقراطي علي ذلك ، وفي ظرف لا خيار لقيادتها السياسية إلا أن تلقي السلاح ، وحتى لا تفرح الإنقاذ بما أتاها ، ولا تحزن المعارضة علي ما فاتها فالبشري هذه المرة للجميع بان يضرب بعضهم رقاب بعض في العاصمة القومية ، وضواحيها ، وقد كانت الأحداث المنصرمة للجنوبيين بالعاصمة من المبشرات فلا يحتاج الأمر لنبوءة أو تنجيم ، وذلك خصوصا إذا ما أصرت الإنقاذ بألا تأتي ألعبانيتها الطويلة إلي خواتيمها وألا تتمايز الصفوف ، وعليه فان الحرب لم تضع أوزارها بعد رغم الكتابة (بالحبر علي الورق)  بأن إطلاق النار قد أوقف في الجنوب والغرب والشرق وانه سوف لن يقع إطلاق نار في الوسط والشمال. إن نار الرهان السياسي ، ومطالب الحرية ، والديمقراطية من داخل العاصمة سوف تكون اشد خطرا علي مستقبل الاستقرار الأمني ، والسياسي ، وأكثر ضررا علي رهانات السلام الإنقاذية التي أقصت البعض وتحاول استقطاب البعض الآخر استقطابا حادا ، ولو أن الإنقاذ تعلم فان إمساكها بمقاليد الأمور ، وانفرادها بالمسئولية عن الوطن ، والأجيال عبر هذه المراحل الحساسة من عمر التنمية ، والاستقرار لوأهون علي خصومها للقيام بنفس المهمة  ، وأفضل لهم أن يجنوا أخطاء الإنقاذ ثمارا لهم عبر إصرارها علي أداء المهمة لوحدها ، وانفرادها بمثل هذه المهام العسيرة ، والمؤقتة فهو خير لهم من أن يعالجوا هذه المرحلة بأنفسهم فحينئذ يدفعون الثمن غاليا، المثال العملي لذلك اعتصام السيد محمد عثمان الميرغني بالخارج تماما كما أيوب ينتظر عودة يوسف الصديق ويعلم من الله ما لا يعلمه إخوة الإنقاذ ، أما الديمقراطية والحرية فقد أجمعت الإنقاذ أن تجعلها في غيابة الجب ليخلوا لها وجه الحكم ، وتكون من بعد أهله من الصالحين، وأهل الإنقاذ قد قالوا كلمتهم التي تنبأ لهم بها أيوب (أخاف أن يأكله الذئب وانتم عنه غافلون) ، فمكروا مكرا ومكر الله مكرا والله خير الماكرين ، فأي نار تلك التي أوقف إطلاقها ، وأي اتفاق ذلك الذي خابت به أقلام الموقعين ؟ فهل أن النار التي أوقف إطلاقها تلك التي تحت الرماد، وإذا كان حقا ذاك هو مقام السلام الذي وصلته الإنقاذ فلماذا يقال علي الترتيبات الأمنية بأنها نهائية أليست في ذلك إثبات علي العكس بأن الترتيبات الأمنية هذه غير نهائية أو كما يقال بأن ( نفي النفي – إثبات) ؟ ولطالما أن الحركة الوطنية قد ظلت حتى اللحظة بيضاء الأيادي من دماء الأبرياء فالحديث إذن متروك للبندقية في وقتها ، والسيف الذي سلطته الإنقاذ علي رقاب الجميع اصدق انباءا من الكنب في حده الحد بين الجد واللعب - وإن غدا لناظره لقريب.  

 

الفصل الرابع:

المؤتمر التشاوري حول اتفاق سلام شرق السودان ، فلسفة عقد المؤتمرات في ظل أي هيصة سياسية من احدث ما ابتدعته الحركة الإسلامية أداة فاعلة لذر الرماد علي العيون ،  ومن منا لا يذكر مؤتمر إستراتيجية الإنقاذ الشاملة في: ( الاقتصاد والسياسة والاجتماع ...الخ) وذلك  تغطية لما تبنته الإنقاذ من سياسات فيما بعد ، وتشريعا للحدث باسم الجماهير وحفنة من المدعوين ، وذلك حتى إذا ما سئلت الإنقاذ يوما عن ماذا فعلت استدلت علي الآخرين بتلك المؤتمرات التشاورية الجوفاء ، وحتى نوقظ الذكري فانه من نافلة القول أن هذه الفلسفة الإنقاذية الغير حصيفة أثبتت بنفسها عدم التوفيق وذلك عبر التجارب المتكررة رجوعا بالحدث والحديث إلي " المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي العالمي" والذي أرادته قيادة التوجه الحضاري آنذاك نواة جديدة ، وبديلة تقود به المجتمع الدولي بعد أن تيقن قادة الإسلام السوداني أن دورهم قد جاء لا محالة في ظل هزيمة روسيا البلشفية ، ثم أغلقت أمريكا دور المؤتمر وعادت الإنقاذ أدراجها تتعاون مع أمريكا ضد الإرهاب حتى أشادت أجهزة الأمن الأمريكية بأختها في السودان.

 

إذا مع من اجتمعت الإنقاذ لتتشاور حول اتفاق سلام شرق السودان ؟ والحال أن السلام ، وتوقيعاته المتعجلة كانت جميعها سرية ، ولم تعلن إلا بعد التوقيع النهائي وهل كان ذاك التشاور سابق للتوقيعات ، ومعالجا لمحتويات الاتفاق السري أم انه كان بحق إعداد للدليل الدامغ بأن الإنقاذ شاورت ذوي الشأن دون استثناء ، وأنها ما كان لها أن تقضي أمرا دون المشورة ، وأن أهل الشرق قد خروا ساجدين لبلقيس السودان ، وقالوا كلمتهم بعد أن قالت لهم الإنقاذ ما كنت قاطعة أمرا بدونكم ؟ وهكذا الملوك إذا دخلوا قرية جعلوا أعزة أهلها أذلة ، واليوم يشهد السودانيون كافة بان ذوي العزة في المال من أهل السودان  قد سحبت منهم تلك العزة بطريقة أو بأخرى وهم الذين كانوا قد عرفوا بالمال منذ القدم ، والعزة في الجاه ، والسلطان قد سحبت من القادة الذين ولدوا وفي أسنانهم ملاعق من ذهب ، فاستولي علي المال غير أهله واستدلوا بقول الله عز وجل ( وتلك الأيام نداولها بين الناس) ، وأن الله قد أورثهم ديار المنهزمين فأصبح الثراء ، والسلطان مصطلحات لا طريق لها إلا عبر الوسائط الإنقاذية ما ظهر منها وما بطن ، إذا فعلاما المشورة وفي ماذا ؟ ..

 

وللقصة بقية

وسوف نتناول اقتضابا  الفصل الخامس: حيث طرق تنفيذ الاتفاقية ، ونستعرض الفصل السادس: بأحكامه العامة التي تتعلق بالاتفاقية ..

ولعل الملاحق التابعة للاتفاق هي الأخرى جديرة بالتناول المبدئي وسوف نستعرض كل من: الملحق (أ): الجداول الزمنية لتنفيذ اتفاق سلام شرق السودان ، والملحق (ب): لإطار العملي لبرنامج الخمس سنوات الخاص بإعادة بناء وتنمية شرق السودان الملحق (ج):إعلان المبادئ لحل النزاع في شرق السودان المبرم في 19/6/2006  ، ثم الملحق (د): اتفاق تهيئة مناخ ملائم للسلام المبرم في 19-06-2006 ،  وأخيرا  الملاحق (ه):اتفاق تطبيقي لبنود اتفاق تهيئة المناخ الملائم للسلام المبرم في 19-06-2006  ، والملحق (و): اتفاق طرابلس بين حكومة السودان والأسود الحرة.

 

محمد الأمين عبد الحليم – قيادي بالحركة الوطنية لشرق السودان